هل نصب ترامب فخا لإيران؟

حجم الخط
0

لأول مرة منذ دخوله البيت الأبيض قبل تسعة أشهر تصرف دونالد ترامب كرئيس قوة عظمى وليس كصاحب نزوة يرد من البطن. أكثر من كل شيء تشهد على ذلك حقيقة أنه قرأ خطابه من ورقة ونشره قبل موعده على الزعماء ومحطات التلفزة في العالم.
لم يحطم ترامب القواعد. فهو لم يعلن انسحاب الولايات المتحدة من توقيعها على الاتفاق النووي للقوى العظمى الست مع إيران. لم يطلب إلغاءه بل تعديله وتحسينه فقط. ونقل لفترة مرحلية عبء الحسم منه إلى الكونغرس، إلى إيران وإلى باقي الدول الخمس الموقعة عليه. من ناحية تكتيكية هذه خطوة حكيمة. فهي من شأنها أن تدخل زعماء إيران في حالة ضغط وتدفعهم لأن يفكروا إذا كان ينبغي لهم الآن أن يعيدوا النظر في المسار الذي اتخذوه في السنتين وربع السنة منذ توقيع الاتفاق.
يمكن أن نقسم خطابه إلى ثلاثة أجزاء: الخطابية، الحقائق والخطوات العملية. في مجال الخطابية استخدم ترامب اصطلاح «الشر» لتعريف إيران. وهكذا فإنه يسير في أعقاب الرئيس رونالد ريغان الذي وضع اصطلاح «امبراطورية الشر» في 1983 تجاه الاتحاد السوفييتي وجورج بوش الابن الذي وصف كوريا الشمالية، العراق وإيران كـ «محور الشر». بعد مهلة من ثماني سنوات لحكم براك أوباما، عادت إيران لتلعب دور النجم على رأس دول الشر (إلى جانب كوريا الشمالية).
وعدد ترامب كل «جرائمها»: دعم منظمات الإرهاب، حزب الله، حماس وكذا القاعدة، مساعدة النظام الإجرامي للأسد في سورية، الذي استخدم السلاح الكيميائي ضد مواطنيه، التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، السعي إلى الهيمنة الإقليمية وانتهاك حقوق الإنسان في الداخل. هكذا أيضا سعى ترامب إلى التلميح بالأخطاء التي ارتكبها كريه روحه، سلفه في المنصب أوباما. ترامب يسعى في كل مناسبة وفي كل موضوع، في السياسة الداخلية (الصحة، الامتيازات الضريبية) والخارجية، لإلغاء «إرث أوباما».
من ناحية الحقائق سار الرئيس على حبل دقيق، يرتبط ويتأرجح بين عمودين. الأول هو للحقيقة والثاني هو لحقيقة أقل. فقد كان محقا حين ادّعى بأنه كان يمكن الوصول إلى اتفاق نووي أفضل، لأن إيران كانت على شفا انهيار اقتصادي. كما أنه كان دقيقا حين وصف بأن إيران تخرق روح «الاتفاق» في أنها تمنع المراقبين الدوليين من زيارة منشآت عسكرية مشبوهة بتطوير سلاح نووي وتطور صواريخ بعيدة المدى يمكنها أن تحمل رؤوسا متفجرة نووية. ولكنه لم يكن دقيقا ولم يقدم أدلة متماسكة عن أن إيران تخرق بنود الاتفاق.
وهو لم يفعل ذلك لأن أجهزة الاستخبارات الأمريكية، الإسرائيلية والغربية لم تجد هذه الأدلة. إيران بالفعل تنفذ بنود الاتفاق نصا ولكنها تستغل كل ثغرة، كل غموض وكل صياغة مزدوجة اللسان كي تمس روح الاتفاق. من هذه الناحية، كان الخطاب هو صوت ترامب أما اليدان فيدا نتنياهو. فقط قبل نحو شهر دعا رئيس الوزراء من على منصة الأمم المتحدة العالم إلى «تعديل أو إلغاء» الاتفاق النووي. وأمل نتنياهو أن يلغيه ترامب، أما الرئيس الأمريكي فيفضل، حاليا على الأقل، المطالبة بتعديله.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم: ماذا سيكون مصير الاتفاق؟ في خطابه خلق ترامب وضعا من عدم اليقين. فهو ومستشاروه يأملون بأن تبدأ إيران بالتصبب عرقا من جديد.
أن تبدأ مرة أخرى بالتخوف من ثقل ذراع الولايات المتحدة، فيما يكون في الخلفية التهديد لاستئناف العقوبات الاقتصادية عليها. وكتلميح عما سيأتي، وبالتوازي مع الخطاب، أعلنت وزارة المالية الأمريكية نيتها فرض المزيد من العقوبات على الحرس الثوري. لكنها تفرض بقوة دور الحرس الثوري في مساعدة منظمات الإرهاب وبحكم دوره في تطوير الصواريخ، وليس بسبب الخروقات للاتفاق النووي. ليس مؤكدا أن إيران ستقع في الفخ ويحتمل أن «تقرأ الخدعة» لترامب وتعرض تهديداته كأداة فارغة.
كما نشأ أيضا وضع من «دهاء التاريخ»: بضغط الكونغرس حيث توجد أغلبية جمهورية، اضطرت إدارة أوباما إلى الموافقة على بند يقضي بأنه إذا لم «يصادق» الرئيس على الاتفاق النووي، سينتقل الحسم إلى الكونغرس. وقد فعل الكونغرس الجمهوري ذلك كي يمس الرئيس الديمقراطي.
أما الآن، حين يكون الرئيس من الجمهوريين، فسيضطر الكونغرس الذي تحت سيطرتهم إلى أن يتخذ حسما صعبا: هل سيلغي الاتفاق؟ وهل سيفرض على إيران عقوبات جديدة؟
ليس مؤكدا أنه توجد اليوم أغلبية في الكونغرس لخطوات كهذه. بسبب علامات الاستفهام الكثيرة عن سلوك وشخصية ترامب، فقد ازداد عدد خصومه حتى في المعسكر الجمهوري.
بمعنى أنه توجد إمكانية أن يمس الكونغرس الجمهوري الرئيس الجمهوري بالذات. وتوجد بالطبع مشكلة أن هذا اتفاق متعدد الأطراف وبالتالي حتى لو فرض الكونغرس عقوبات جديدة، وينبغي لهذه أن تكون ناجعة، فينبغي أيضا أن يكون كل باقي الدول الخمسة الموقعة على الاتفاق، ستنضم إلى الخطوة. أما حاليا فقد أعلنت أنها تعارض.
وختاما، فإن خطاب ترامب هو مثابة خطاب بصيغة «امسكوني». ليس مؤكدا أن يكون شركاؤه في الاتفاق (وكذا إيران) مستعدين لعمل ذلك.

يوسي ميلمان
معاريف 15/10/2017

هل نصب ترامب فخا لإيران؟

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية