هل هناك تغير جوهري في السياسة الأمريكية الخارجية في عهد ترامب؟

حجم الخط
0

سؤال مهم ويحتاج إلى إجابات دقيقة نظراً لأهمية الموقف الأمريكي من كل ما يجري في العالم وخاصة في الشرق الأوسط، وبسبب عدم وجود مصدر معلومات مفيد في هذا الجانب، سنحاول أن نعطي إجابات كمراقبين خارجين، من خلال دراسة الأداء السياسي للإدارة الأمريكية الجديدة.
من الواضح أن هناك اختلافات كبيرة في الشكل بين أداء الإدارة الأمريكية في عهد أوباما، عنها في عهد ترامب، لكن ليس هناك تغيرات كبرى من حيث الجوهر. فالسياسة الأمريكية تحددها عوامل أساسية اقتصادية وجيوسياسية حاكمة، وعلينا أن نعترف أن حروب الولايات المتحدة المتكررة والعبثية في الشرق الأوسط زمن بوش الأبن قد عادت بضرر كبير جداً على الولايات المتحدة وأفقدتها قدرتها على أن تبقى القطب المهيمن عالمياً المتفرد بقيادة العالم.
كانت المهمة الأساسية لإدارة أوباما، هي تنظيم عملية الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط بأقل الخسائر الممكنة وخاصة بعد الكارثة الاقتصادية عام 2008. وخلافا لكل ما قد قيل من نقد لسياسات أوباما، فهو الوحيد الذي كان يمتلك رؤية منطقية ومعقولة للمنطقة، تتمثل هذه الرؤية في إعطاء فرصة للإسلام المعتدل أن يلعب دوراً في هرم السلطة السياسية في الدول الشرق أوسطية وبناء شراكات حقيقية معها بما يشكل سداً طبيعياً أمام قوى التطرف الإسلامي.
هذا الأمر نسوقه كمراقبين دون أن تكون لدينا معلومات مؤكدة، لكن نستطيع أن نسوق كذلك قرائن قوية لهذا الرأي، منها على سبيل المثال خطاب أوباما في الأزهر في جولته الشرق أوسطية الأولى، ثم بعد ذلك موقفه من الثورة المصرية وتخليه عن حسني مبارك أحد أهم حلفاء واشنطن، وسماحه لحركة الإخوان المسلمين الوصول إلى السلطة، علينا أن نعترف أن الثورة المصرية لاقت دعماُ وتأييداً من هذه الإدارة.
الذي حصل بعد ذلك أن حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، وبخاصة إسرائيل والسعودية وعدد من الدول الخليجية المعروفة، هم من وقف في وجه استراتيجية أوباما وعطلها من خلال الانقلاب الذي تم تنظيمه في مصر ما جعل هذه الاستراتيجية مبتورة، فهو استمر في الانسحاب من المنطقة بدون تصورات واضحة وبدون اهتمام كبير لمن سيملأ الفراغ الحاصل، وهذا ما مكن روسيا وإيران من مد نفوذهما حتى باتوا قاب قوسين أو أدنى من السيطرة التامة على المنطقة.
في المقابل لا يسعنا اليوم إلا أن نؤكد أن السياسة الأمريكية الخارجية في عهد ترامب، وهي محكومة بذات المحددات القديمة، لا زالت في طور الانسحاب والتراجع الذي تمليه عوامل موضوعية حاكمة، لكن الذي اختلف هو أن دونالد ترامب يفكر بطريقة تجعل عملية الانسحاب هذه مربحة اقتصادياً وسياسياً، إن أمكن، وكأن لسان حالة يقول « دع هؤلاء يسددوا ما عليهم من ديون».
تعتمد سياسات ترامب على المراوغة وإثارة الغبار الكثيف من خلال التصريحات النارية والحركات الاستعراضية، لكنها في النهاية عندما تصطدم بمواقف صلبة على الأرض نراها تتراجع وتنكمش، وتستثمر قدر الإمكان عند أولئك الذين يشترون هذه الاستعراضات الفارغة، ولدينا على هذا الأمر مثالان:
الأول: كوريا الشمالية، فقد أثار ترامب حول الأمر زوبعة كبيرة وأرسل قادته العسكريين والسياسيين للحدود بين الكوريتين ورأينا صورهم عبر الإعلام ينظرون في «المناظير الحربية» وكأننا على أبواب حرب، عندما لم تجد نفعاً هذه السياسة الاستعراضية مع كيم جونغ اون رأينا ترامب يتراجع، ورأينا الحملة الإعلامية تخبو وكأن شيئاً لم يكن. وقبل ذلك كان هناك شيء مماثل بالنسبة للمكسيك وقضية الجدار.
في المقابل هناك من يشتري استعراضات ترامب هذه، فبمجرد إطلاقه وبعض أفراد إدارته مجموعة من التصريحات السياسية التي ترافقت مع ضربة عسكرية لمطار الشعيرات ( ضربة تبدو منسقة مع كل الجهات) حتى ظن البعض أن ترامب يحمل استراتيجية جديدة وحاسمة تجاه إيران خاصة، وتجاه المنطقة عموماً، لكن الأمر لا يعدو كونه استعراضاً بهدف الاستثمار اللاحق.
على أرض الواقع تجري الأمور بطريقة مختلفة، فأمام أعين التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تقدمت ميليشيات قاسم سليماني من كلا طرفي الحدود العراقية والسورية وبغطاء جوي روسي ودشنت الطريق البري طهران- بغداد- دمشق- بيروت ولم نجد مقابل هذا التحرك إلا بعض الضربات الجوية التي قال عنها وزير الدفاع الأمريكي في صيغة تبريرية، إنها ضربات دفاعية، بمعنى أن بعض القوات اقتربت من مواقع أمريكية بطريقة غير آمنة.
هل يعني ذلك أن التمدد الإيراني في مأمن من الاصطدام مع الولايات المتحدة؟
ليس تماماً، فهناك قلق إسرائيلي حقيقي من هذا التمدد وهي تدفع نحو هذه المواجهة، لكن الولايات المتحدة لن تدخل في مواجهات مباشرة مع أي طرف وهي ستوكل هذا الأمر لحلفائها الإقليميين، ويبدو أنها قد نسقت خطواتها مع إدارة ترامب بطريقة جيدة، وهناك شروط سياسية كبيرة تضعها إسرائيل على حلفائها العرب لحمايتهم، ليس أقلها تحقيق مصالحة كبرى مع إسرائيل تضمن تسوية القضية الفلسطينية في إطار رؤية بنيامين نتنياهو ليهودية الدولة وشروط أمنها المستقبلي، عدا طبعا عن تغير المنطقة جذريا والقضاء المبرم على كل أشكال المعارضات تحت مسمى الحرب على الإرهاب، ونحن نشهد إرهاصات ذلك في الحملة الحالية على دولة قطر.
في المحصلة الإدارة الأمريكية لا تزال تتلاعب بالمنطقة ومصيرها ونحن كعرب، حتى هذه اللحظة أكبر الخاسرين لغياب أي قوة سياسية لها رؤية متكاملة تجاه مستقبل هذه الأمة.

باحث سوري

هل هناك تغير جوهري في السياسة الأمريكية الخارجية في عهد ترامب؟

محمد نور الدين الوفائي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية