هل هناك صراع سني – شيعي؟

حجم الخط
11

ينكر بعض الغافلين من قصار النظر أو ربما من الماكرين وجود صراع سني – شيعي، ضاربين بعرض الحائط ما لا يكاد يحصى من الشواهد والأدلة الصارخة التي لا يمكن إغفالها، إلا عن جهل، أو عن نية خبيثة مبيتة لتهميش دور الدين. تماماً كما يفعل الذين ينكرون أن للصراع العربي – الإسرائيلي بعداً دينياً مهماً لا يمكن تجاهله. فما الذي يدفع الكثير من العرب الشيعة الذين قد لا يعرفون كلمة فارسية واحدة إلى تقديم ولائهم لملالي إيران والحماس لتنفيذ مخططات طهران وأوامرها على الولاء لبلدانهم العربية، لو لم يكن ذلك بسبب انتمائهم إلى الطائفة الشيعية، التي نصبت إيران نفسها ممثلة لها ومدافعة عنها على مستوى العالم!
وما الذي يدفع ثلة من العرب الأقحاح، مثل الحوثيين في اليمن، للدخول في صراع دموي عاصف مع إخوتهم وأبناء جلدتهم العرب اليمنيين، إلا عضويتهم في طائفة دينية مغايرة، ترى أن من حقها، بل من واجبها مواصلة الصراع حتى الانتصار على طائفة دينية أخرى تراها ضالة مضلة ولا تنتمي إلى دينها! وما الذي يدفع الشيعة في العراق، الذين يخضعون اليوم بصورة تامة لهيمنة إيران، إلى تفجير مساجد السنة، لو لم يكونوا يرون أن الصراع هو صراع سني – شيعي، أي بين دينين مختلفين متنافرين! وما الذي يدفع اللبناني حسن نصر إلى توريط نفسه وحزبه والقذف بالآلاف من أتباعه العرب اللبنانيين إلى الهلاك للدفاع عن عصابة المجرم بشار الأسد، لو لم يكن ذلك لاعتقاده بأنه يقوم بمهمة دينية تفرضها تبعيته الدينية لأئمته في طهران!
إن من أسوأ ما يمكن أن نفعله عندما نحاول أن نفهم ظاهرة أو واقعا ما أن نحاول طمس أو تعتيم بعض الأبعاد والعوامل، خدمة لقناعاتنا الإيديولوجية. فرفض الإقرار بأن هناك مشكلة دينية بين السنة، التي تجسد الأمة الإسلامية، باعتبارها تمثل الأغلبية الساحقة من المسلمين، وبين الشيعة، الأقلية الخارجة عن جمهور الأمة، دينياً وسياسياً، لا يمكن إلا أن يقود إلى نتائج مختلة مضللة، فذلك الإنكار يشبه ما تفعله النعامة عندما تدس رأسها في الرمال، ظانة بأن من شأن ذلك إبعاد الخطر عنها! من الثابت أن طائفة الشيعة، بمعتقداتها ومقولاتها، قد ظهرت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنوات، تعبيراً عن رفض خلافة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان، على اعتبار أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أوصى، فيما يزعم الشيعة، بالخلافة لعلي من بعده. ومع أن الأمر يبدو هنا كمجرد خلاف سياسي، إلا أنه ليس كذلك قطعاً. فحتى يبرر الشيعة زعمهم بأحقية عليّ في الخلافة، تورطوا، سواء نتيجة الجهل أو التعصب أو نتيجة تدخل أصابع مجوسية مشبوهة، فيما لا حصر له من الهرطقات الدينية، التي تخرج القائل بها من ملة الإسلام دون أدنى شك. من قبيل إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وذلك برفض كم هائل من الأحاديث النبوية الشريفة، إضافة إلى الإتيان بأحاديث غيرها، والادعاء بأن القرآن ناقص بسبب قيام كبار الصحابة بحذف بعض آياته التي تتحدث عن علي، وتفسير آيات القرآن الكريم تفسيرات خرافية فضائية، والطعن الضمني في الرسول وفي الإسلام، عن طريق تكفير أهم صحابته الذين قام الإسلام على أكتافهم، فأي نبي هذا الذي يختار لصحبته حفنة من الكفرة والمنافقين المزورين مغتصبي السلطة، حسب وصف الشيعة لأبي بكر وعمر وعثمان! إضافة إلى الخوض في عرض الرسول بلعن بعض زوجاته وتكفيرهن، إضافة إلى الشرك بالله عبر إسناد صفات اختص بها الله لعلي والحسين وفاطمة وبقية أئمتهم، من مثل التحكم في شؤون الكون، ومعرفة الغيب، ومحاسبة الناس يوم القيامة، ناهيك عن الصلاة لأولئك الأشخاص والدعاء لهم من دون الله أو مع الله أو تقرباً إلى الله لا فرق، فكل ذلك من صور الشرك الأكبر المخرج من الملة. ومن ينكر ذلك أو يجهله، عليه أن يتذكر أن كفار قريش كانوا يؤمنون بالله، ولكنهم كانوا يصلون للأصنام حتى تقربهم إلى الله كما كانوا يدعون، وهذا ما استدعى وصفهم بالكفر والشرك.
كما هو واضح مما تقدم، فإن الصراع مع الشيعة لا يمكن أن يكون مجرد صراع سياسي قابل للتسوية. فهو صراع ديني سياسي، وقبل ذلك هو صراع عرقي. فإيران التي تحمل لواء الشيعة في العالم، تتخذ من الصراع الديني غطاء لإخفاء حقدها العنصري القديم على العرب. فهي ترى في العرب أمة متخلفة من الأعراب الأجلاف، الذين بلغت بهم الوقاحة درجة تدمير إمبراطوريتهم المجوسية العظيمة! حتى وصلت درجة بغضهم للعرب لأن يقول أحد كبار شعرائهم المعاصرين، مصطفى بادكوبة، في قصيدة له: «خذني إلى أسفل السافلين أيُّها الإله العربي، شريطة أن لا أجد عربيًّا هناك. أنا لستُ بحاجة لجنة الفردوس؛ لأني وليد الحب، فجنة حور العين والغلمان هدية للعرب. ألم تقل أنت: إن الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا؟ فلماذا يثني السفهاء على العرب؟ أقسمك يا إلهي يا رب الحب أن تنقذ بلادي من البلاء العربي»! ومن يظن أن ذلك هو مجرد موقف فردي يتبناه ذلك الشاعر فهو مخطئ، فالأدبيات الفارسية وتصريحات قادة إيران تكتظ بصور احتقار العرب والحط من شأنهم، لغة وحضارة، وبطبيعة الحال، ديناً، فالإسلام الذي يتبناه العرب السنة ليس هو الإسلام الذي تتبناه إيران حتماً. والمؤسف أن الشيعة العرب لا يدركون ذلك، أو لا يريدون إدراكه، تحت ثقل الحجب التي يسدلها الإيمان الأعمى بالمعتقد الشيعي على بصائرهم وأبصارهم، التي جعلتهم عاجزين تماماً عن رؤية الأخطار والمخططات والمؤامرات الإيرانية الصفوية، التي لم تقتصر على احتلال الأحواز العربية، والجزر الإماراتية، والسيطرة على العراق وسوريا ولبنان، بل امتدت إلى محاولة احتلال اليمن والبحرين أيضاً، وستمتد حتما إلى كل أرجاء الوطن العربي.
يحدث ذلك كله ووعي كثير من العرب والمسلمين في أشد حالات البلادة والضحالة والتشوش. فمن خلال متابعة ما ينشر ويقال، وبخاصة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ما تزال هناك أعداد هائلة من العرب والمسلمين الذين يدعون إلى احتضان الشيعة والتوقف عما يسمونه بدعوات التحريض العنصري والطائفي ضدهم. بعض أولئك المغيبين ينطلقون من اعتقادهم بأن إيران تقف بحق ضد الصهيونية وأنها تتزعم جبهة المقاومة والممانعة وهي من سيحرر فلسطين! وبعضهم يصدر في ذلك عن جهل مطبق بمبادئ العقيدة الإسلامية ومعايير التمييز بين الإيمان والتوحيد من جهة، والكفر والشرك من جهة أخرى، وبعضهم يتخذ ذلك الموقف الساذج لجهله بالتاريخ وبالسياسة، وبخطورة الدور الذي لعبته وتلعبه إيران في سبيل الهيمنة على العالم الإسلامي ونسف المعتقد السني من خارطة الوجود. إن من يقرأ التاريخ يجده يعيد نفسه، فإيران كانت دولة سنية ذات يوم، ولم يتحول أهلها إلى التشيع إلا بالبطش والقهر. وهذا ما نشهده حرفيا في العراق اليوم، إذ تتم إبادة السنة جهارا نهارا على يد الميليشيات الصفوية الشيعية. وليس للسني هناك إلا أن ينتظر الموت، أو أن يفر بنفسه ودينه من البلد إذا ما استطاع، أو أن يتنكر لمعتقده ويتبع ما يوحى إليه من ملالي طهران!

د. خالد سليمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية