على الرغم من أطنان الأكاذيب وطبقات من مساحيق التجميل التي يحاول الإعلام الصهيوني إلباسها للشخصية الصهيونية، من حيث الميزات الأخلاقية والإنسانية، ومن حيث ادعاءات «طهارة السلاح ونظافته» وعدم لجوئه إلى ما يمكن أن يشين أو يدين. مع ذلك فإن الواقع والوقائع ومنذ أجيال، تفيد بأن الممارسات هي عكس الادعاءات، وأن «المجزرة» هي قرينة ملاصقة دائما للمعارك والهجومات والاعتداءات الصهيونية، خصوصا في المعارك مع العرب، وعلى الأخص مع الفلسطينيين العرب، لأن الفلسطينيين هم أصحاب الأرض التي يدعي الصهاينة أنها لهم. وإذا كان الكلام عما يمكن فهمه أو إدراكه، من أخطار على الكيان الصهيوني الغاصب في المعركة الدائرة الآن في غزة، لجهة وجود أنفاق، ما ازدادت إلا بسبب وجود الحصار الجائر والخانق، أو وجود أسلحة لدى الفصائل الفلسطينية؛ وقد أصبح مداها يصل إلى أهم المدن والمستعمرات الصهيونية، يضاف إلى ذلك معارضة شديدة من قبل القيادات الصهيونية للمصالحة الفلسطينية التي تمت قبل أسابيع قليلة، بحجة أن منظمة «حماس» لا تعترف بالكيان الصهيوني، وأن على سلطة رام الله الاختيار بين المصالحة أو السلام، وأي سلام هذا؟
هذا وغيره يمكن المحاججة في رفع سقف تبريراته وتسويغاته، من قبل الإعلام الصهيوني، لكن ما لم يفهمه ولم يستوعبه الملايين من الناس في شتى أنحاء العالم التي خرجت منددة محتجة ورافضة ومستنكرة هذا الاستعمال المفرط والوحشي للقوة، من قبل القوات الصهيونية ضد المدنيين العزل في غزة والضفة والقدس، وفي الأراضي المحتلة منذ عام 1948، خصوصا عندما تتوجه نيران أسلحة البر والبحر والجو نحو الأطفال والنساء والشيوخ، وضد المستشفيات والمدارس والبيوت، وكل ما يمكن أن يتحرك، أو حتى لو كان ثابتا، ليقع الجميع ضحايا للوحشية الصهيونية المنفلتة من عقالها. فهل هؤلاء من حملة السلاح المقاومين، أم أن قصفا مقصودا يعبر ليس عن «انحطاط الاخلاق ودناءة نفوس حملة السلاح»، بل هي طبقات من عقد في دواخل الذوات الصهيونية، أفاض كتاب وسياسيون ومتخصصون في الكتابة عن تراكمات محتوياتها، لا تبرز واضحة وجلية إلا من خلال المواجهات والاعتداءات والمحارق، التي يرتكبها جنود الاحتلال ضد المواطنين المدنيين العزل.
كأن المحق والإفناء وقتل الغير (الأغيار) الوارد ذكرها في التوراة، أصبحت من مكونات اللاوعي، لتبرز واضحة في الوعي والممارسة لاحقا في الشخصية الصهيونية، لتتغطى بادعاءات وأكاذيب وصلف وتشويه للحقائق غير مسبوق. لتتجسد في «التشوزباه» أي الاستعلاء والادعاء الكاذب الفج والشرس، واعتبار الآخرين (الأغيار) من رتبة أدنى في الحالة الإنسانية من «شعب الله المختار»!
فهل هذا ما يمكن التوصل إليه في فهم وإدراك الحالة الإجرامية والمجازر التي ترتكبها القوات الصهيونية الاحتلالية، بين فترة وأخرى، بحق الفلسطينيين بعد وضعها على مشرحة التحليل، وتفكيك منظوماتها المخفية وشبه اللاواعية؟ لأن أكاذيب «نقص المعلومات الاستخبارية» في جريمة تحويل الأطفال الأربعة من آل بكر إلى أشلاء ـ على سبيل المثال ـ الذين كانوا يلهون على الشاطئ. كما إن انحراف «التصويب» في قتل الأطفال العشرة الذين كانوا يتأرجحون على الشاطئ الغزاوي نفسه، وغيرها من جرائم، لا يمكن تبرير وقوعها بأي صورة من الصور، إلا بصورة القتل العمد والمقصود والمبرمج، لإزاحة أثقال العقد المتراكمة من أمراض وتشويهات، تجذرت في تكوينات الشخصية الصهيونية.
من أمثلة الإجرام التي لا تنسى على سبيل المثال أيضا وأيضا، لجوء القوات الصهيونية إلى إسقاط مناشير بالطائرات، طالبة من سكان هذا الحي أو ذاك، مغادرة منازلهم، لأنها ستقصف. وفعلا فإن القصف ينهال على رؤوس المنازل ورؤوس الناس. وإذا ما لجأ المئات أو الآلاف من بينهم إلى مدارس الأونروا التابعة للأمم المتحدة، فإن القذائف العمياء والمبصرة تنهال عليهم وتقتل العشرات من بينهم، بمن فيهم موظفو الأمم المتحدة، فهل هؤلاء كانوا من حملة السلاح، ويطلقون النار على الجيش الغازي المدجج بأطنان الأكاذيب والأحقاد والعقد التي تنضح قتلا وتدميرا وإفناء؟
موروث في الدم!
ذكر مناحيم بيغن أحد قادة منظمة الأرغون الإرهابية الصهيونية، ورئيس الوزراء في الكيان الصهيوني، غير مرة، وقد تم غزو لبنان في عام 1982 أثناء توليه رئاسة الوزراء أن «الصهيوني الإسرائيلي الذي يحمل رغبة مكبوتة في الانتقام، يكون في حاجة إلى تجديد وجوده بطريقة وحيدة هي الحرب، وإلى ملء هذا الوجود بأسباب مستمرة لجدارة التفرد وهي القتل والقتل والقتل». كما جاء في كتاب «الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية» للدكتور رشاد عبدالله الشامي الصادر عام 1986.
كما ذكر الكاتب المهم والشهير في الكيان الصهيوني، أبراهام لولي يهوشواع تشخيصا مهما للشخصية الصهيونية، قائلا «عاش اليهود كل حياتهم في صراع، الصراع موروث في دمنا ـ لنلاحظ هذه الوراثة ـ لا نعرف وضعا آخر، ولكن من ناحية أخرى جئنا من تاريخ كارثي، لذلك نريد السلام ـ أي سلام هذا – ؟» كما جاء في مجلة «الكرمل» العدد 50 عام 1997.
وذكر الباحث الأمريكي باري بليخمان في دراسته «الآثار المترتبة على الانتقامات الإسرائيلية ـ محاولة تقييم» الصادرة عام 1970 ما يلي: «إن الانتقام الإسرائيلي هو سلوك قومي إسرائيلي، وأن إسرائيل تعتبر الانتقام صورة شرعية ـ لاحظ هذه الشرعية ـ من صور السلوك القومي، وأن الانتقامات واجب والتزام».
أما الدكتور قدري حفني، فقد ذكر في كتابه «الشخصية الإسرائيلية» الصادر عام 1978 ما يلي: «إن روح العنف في إسرائيل، يكمن الإحساس بها كقوة تحريرية وكتنفيس عن طاقة مكبوتة، لتخفف عن نير عبودية لم يعد ضغطها محتملا». كما ان الدكتور عبدالله الشامي، ذكر في كتابه «الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية»، تفاصيل تتعلق بهذه الشخصية، من قبيل «إن العنف يصبح الأداة التي يتوسل بها الصهاينة لإعادة صياغة شخصية اليهودي، فاليهودي في هذا التصور يحتاج إلى ممارسة العنف لتحرير نفسه من نفسه، ومن ذاته الطفيلية الهامشية».
وهذا العدوان الحالي، إنما هو من متواليات «المجزرة» التي أخذ الكيان الصهيوني في تكرار ارتكابها، ما دام «عدوه» هو نفسه: العربي الفلسطيني، وما دام الرعاة والحماة يواصلون مده بالسلاح والمال، واستعمال فيتو الحماية والرعاية إن أحوج لذلك في مجلس الأمن الدولي. ويبدو ألا عزاء للضحايا، ما دام هذا العالم يتعامل مع الدماء المهدورة من منطلق صلف القوة والمصالح، واعتبارها ـ أي الدماء ـ من جنس «دون» الجنس الإنساني الممتاز، الموزع والمحصور في شعوب بعينها!
٭ كاتب فلسطيني
سليمان الشّيخ