بغداد ـ «القدس العربي»: تواترت المؤشرات على تصاعد تعقيدات المشهد السياسي العراقي هذه الأيام نتيجة غياب التوافق على مشروع وطني لحل الأزمات والمشاكل المزمنة وتداخل الصراع المحلي بالإقليمي والدولي، مع اقتراب حسم معركة تحرير الموصل من تنظيم «الدولة».
ففي زيارة مفاجئة غير معلن عنها، وصل الرئيس العراقي فؤاد معصوم إلى مبنى البرلمان وعقد اجتماعا مع رئاسة مجلس النواب ورؤساء الكتل السياسية حذر خلالها القوى السياسية من سياسة «كسر العظم» في تعاملها مع بعضها حول قضايا وأزمات البلاد داعيا إلى التوافق والابتعاد عن سياسة فرض رأي جهة على حساب أخرى.
وأشار إلى أن الحوار ضروري جدا بين جمـيـــع الأطراف، وخصوصا لتمرير بعض مشـــاريع قوانـين معـطلة منذ دورات برلمانية سابقة وفي مقدمها قوانين مجلس الاتحاد والمحكمة الاتحادية وقانون النفط.
وفي الوقت نفسه حذر نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي من سياسة التسقيط التي تتبعها بعض القوى السياسية فيما بينها، وخاصة عبر اللجوء إلى الجيوش الالكترونية في مواقع الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي، لتبادل شن الحملات بين القوى السياسية، ما يعكس عمق الخلافات على المصالح بين القوى السياسية المختلفة.
وبعد أيام من تحذير رئيس الحكومة حيدر العبادي من المشاكل التي ستنجم عن انفصال كردستان عن العراق، جاءت زيارة رئيس التحالف الوطني (الشيعي) عمار الحكيم إلى مصر لتثير المزيد من الخلافات بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان.
فقد صرح الحكيم ان الائتلاف الشيعي الحاكم في العراق، يعارض خطط الأكراد لإجراء استفتاء على استقلال إقليم كردستان بعد إلحاق الهزيمة بتنظيم «الدولة» مؤكدا «إن إسرائيل ستكون الدولة الوحيدة التي تعترف بالدولة الكردية عند اعلان قيامها». وفي المقابل رد رئيس الإقليم مسعود البارزاني على كلمتي العبادي والحكيم باعلان اصراره على اجراء الاستفتاء على تقرير المصير هذا العام.
وكشف الحكيم أهداف زيارته إلى مصر وأبرزها التوسط لتشكيل حلف في المنطقة، مبينا إن «رؤية التحالف تنصب في حاجة المنطقة لحل صراعاتها عبر حوار بين الدول المحورية والكبرى فيها، ويشمل إيران وتركيا والسعودية ومصر» معربا عن أمنــيته أن «تشارك مصر مع العراق في إتمام الحوار المباشر بين الخليج وإيران».
وكانت العديد من القوى الشيعية العراقية طرحت فكرة إجراء الحوار بين الدول العربية الخليجية ومصر والعراق، بالإضافة إلى تركيا وإيران، بهدف تخفيف العزلة عن إيران، إلا ان تلك الدعوات لم تحقق نتائج ملموسة لتعارض مشاريع تلك الأطراف.
ولم ينسَ الحكيم ان يغازل مصر لتشجيعها على المشاركة في المشروع، عندما أشار إلى إن «إجراءات تزويد مصر بالنفط العراقي قد انتهت» دون تحديد موعد محدد للبدء بتنفيذ الاتفاق المبرم بين الطرفين.
حرب التصريحات
أما الحدث الأبرز الداعي للقلق والتفكر في مستقبل غير واضح المعالم في العراق فهو وصول السفير الإيراني الجديد في بغداد الجنرال ايرج مسجدي، وهو من قيادات النخبة في الحرس الثوري ومسؤول ملف العراق وسوريا إلى جانب قاسم سليماني، الذي تزامن وصوله مع عدة حوادث منها اندلاع حرب التصريحات بين العراق وتركيا عقب الانتقادات التركية للحشد الشعبي ووصفه بالمنظمة الإرهابية، وهو الحدث الذي فجر ثورة غاضبة لحكومة العبادي وقادة الأحزاب الشيعية والحشد الشعبي الذي تدعمه إيران بقوة، ضد الموقف التركي وسط تهديدات وانتقادات لاذعة للحكومة التركية.
وبغض النظر عن علاقة السفير الإيراني بالتصعيد ضد تركيا والتحركات الأمريكية في العراق في عهد ترامب، فالمؤكد ان تولي هذه الشخصية لمهام السفير في العراق، لن يمر بسلام من قبل الولايات المتحدة الساعية إلى الحد من النفوذ الإيراني في العراق، والتي لن تنسَى دور مسجدي والحرس الثوري في اعداد ودعم الميليشيات التي شنت عمليات مقاومة ضد الجيش الأمريكي خلال وجوده في العراق، إضافة إلى دورهما في أحداث سوريا واليمن. وهذا الأمر ينبئ ان العراق سيكون ساحة مواجهة حادة بين الطرفين يخشى العراقيون ان يكونوا فيها وقودا للمعركة.
ورغم بروز بصيص أمل محدود في قرب اكمال تحرير القوات العراقية للموصل من كابوس تنظيم «الدولة» بعد زيارة رئيس الحكومة حيدر العبادي إلى المناطق المحررة من المدينة واجتماعه بالقادة العسكريين وتأكيده قرب انجاز تحرير الجانب الأيمن وانهاء معاناة السكان المحاصرين فيها، إلا ان القلق من مرحلة ما بعد الانتهاء من تنظيم «الدولة» ما زال قويا لدى غالبية المراقبين، وسط مؤشرات قوية لاحتدام الصراع تتصاعد في الساحة العراقية والمنطقة لا تدعو إلى الكثير من التفاؤل.
مصطفى العبيدي