■ تقدم المغرب بطلب الانضمام إلى الاتحاد الأفريقي في الدورة الأخيرة المنعقدة هذا الأسبوع في رواندا. هذا الاتحاد الذي غادره منذ 31 سنة بسبب قبوله عضوية الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي أعلنتها جبهة البوليساريو من طرف واحد.
والقرار المغربي يكشف عن مقاربة جديدة في نزاع الصحراء، تقترب من النموذج الإسباني، القائم على احترام أنصار تقرير المصير، وتتزامن في وقت يشهد فيه الملف عددا من التطورات بعضها سلبية وإيجابية للأطرف المعنية حسب زاوية المعالجة. وبعد أربعة عقود من النزاع المستمر وعدم الوصول إلى الحل واكتسابه صفة «النزاع المفتوح»، يحضر ملف الصحراء بقوة في حياة جيلين من المغاربة على المستوى الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. لكن هذا الحضور القوي لم يبلور مقترحات جديدة للحل، بل جرى التعامل مع الملف بنوع من القدسية تحت شعار «القضية الوطنية الأولى»، ما جعل النقاش الجدي والعميق يتلاشى، خاصة بعد استعمال النظام الحاكم وأتباعه هذا الملف لتوزيع «صكوك الوطنية» على من يشاء. «صكوك وطنية» تتعدى المفهوم السياسي إلى ريع اقتصادي ومنها في الصحراء أساسا، وذلك باعتراف الملك محمد السادس في بعض خطاباته الأخيرة. ويمكن قراءة قرار المغرب بالعودة الى الاتحاد الأفريقي من زاويتين قد تكونان مكملتين لبعضهما بعضا.
الزاوية الأولى وتتجلى في محاولة المغرب التخفيف من ضغط المواقف السياسية لهذه الهيئة، حيث أصبحت فاعلا في الأمم المتحدة تطالب بما تعتبره تصفية الاستعمار من الصحراء، بل عينت مبعوثا خاصا للنزاع وهو خواكين شيصانو. ولا يمكن فهم الدعم الذي حصلت عليه البوليساريو دوليا بدون دراسة الدعم الكبير المقدم من الاتحاد الأفريقي.
والزاوية الثانية وهي التعاطي مع معطيات الواقع بواقعية جديدة وبراغماتية، أي اعتبار البوليساريو الحركة وليس الدولة التي أعلنتها واقعا سياسيا في العلاقات الدولية. وبالتالي ليس هناك من ضرر الوجود معها في المحفل الدولي نفسه، الاتحاد الأفريقي، خاصة أن المغرب يتفاوض مع البوليساريو تحت إشراف الأمم المتحدة، وتعترف به هذه الأخيرة ممثلا للصحراويين. فقد أقدم المغرب على تقديم طلب الانضمام الى الاتحاد الأفريقي بدون ضمان تجميد عضوية الدولة التي أعلن عنها البوليساريو، وهذا يعني أن المغرب سيتعايش ويتقاسم الفضاء مع البوليساريو لأول مرة في منتدى دولي.
وقرار المغرب بالعودة الى الاتحاد الأفريقي، قد يكون صوابا وقد يكون خطأ بحكم أن المشهد السياسي في البلاد لم يسجل نقاشا حول الموضوع، يدخل ضمن عدد من القرارات التي تتخذها الدولة المغربية في ملف الصحراء، إما باتباع استراتيجية محكمة، أو تحت ضغط التطورات. ومن ضمن المفارقات أن بعض وسائل الاعلام التي كانت حتى الأمس القريب تسب الاتحاد الأفريقي وتعتبره جثة لا داعي للمغرب التفكير فيه، تهلل الآن للاتحاد الأفريقي وقرار المغرب بالعودة. من أبرز القرارات العلنية هو قيام المغرب مؤخرا بالترخيص القانوني لجمعية حقوقية موالية لتقرير المصير في الصحراء ومتعاطفة مع جبهة البوليساريو واسمها «الجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبكة من طرف الدولة المغربية». ويحدث هذا لأول مرة في منطقة الصحراء الغربية، حيث أصبح هناك خطاب حقوقي مختلف عن جميع خطابات الجمعيات الحقوقية الأخرى. فأعضاء هذه الجمعية لا يعترفون بالنظام الملكي ولا بمغربية الصحراء. في الوقت ذاته، تتوفر جبهة البوليساريو على ممثلين في هياكلها التمثيلية والتنفيذية على أعلى المستويات من مدن الصحراء مثل العيون واسمارة، إذ لم تعد تنهج السرية في اختيار الأسماء القيادية أو ما يسمى «بوليساريو الداخل». وخلال المؤتمر الأخير منذ أسبوعين، الذي أسفر عن اختيار إبراهيم غالي زعيما لتعويض الراحل محمد ولد عبد العزيز، حضر أكثر من عشرين صحراويا وهم يحملون جوازات السفر المغربية. ولم تتدخل السلطات المغربية لا لاعتقالهم ولا لاستجوابهم عند عودتهم الى المغرب، رغم تصنيف البوليساريو «بالحركة الخائنة والعدوة للمغرب». وموقف السلطات المغربية جديد نوعا ما.
وموقف المغرب الرسمي يحتمل الكثير من القراءات، لكن الرأي الراجح وهو نهج ليونة في التعاطي مع هذا الملف والميل نحو تطبيق النموذج الإسباني. ويتجلى النموذج الإسباني في منح أعلى مستويات الحكم الذاتي الى مستوى الفيدرالية بدون الإعلان عنها، واحترام المواقف السياسية لأنصار تقرير المصير المطالبين بجمهورية مستقلة عن اسبانيا. ورغم عمق الخطاب الجمهوري في مناطق مثل كتالونيا وبلد الباسك وعدم الاعتراف بالملكية، يستمر الجميع في التعايش ومنذ السبعينيات في إطار دستور موحد وإن كان هناك الكثير من الجدل بشأنه. وهكذا، يبدو أن الدولة المغربية، وعت أخيرا أن وجود نسبة من الصحراويين المطالبين بتقرير المصير ولا يعترفون بالملكية لن يضر البلاد في شيء، بل سيخفف الضغط الدولي عليها وسيساهم في حدوث نوع من الانفراج في ملف نزاع الصحراء، على الأقل داخليا. لكن الاستراتيجية الجديدة التي نادى بها الكثير من الباحثين والسياسيين، والتي يبدو أن الدولة المغربية اقتنعت بها متأخرة، تتطلب الأخذ بعين الاعتبار عوامل متعددة ونذكر منها عاملين:
الأول، هو التوازن في الانفتاح على المغرب برمته، إذ لا يمكن للدولة المغربية أن تنفتح على أنصار تقرير المصير وتمنحهم الحرية الكبيرة، بينما ترغب في خنق الحريات في باقي المغرب عبر قرارات وحملات إعلامية، حينئذ سيتبين أن كل استراتيجية جديدة في الصحراء، ونعني الانفتاح، هي مفروضة بضغط تطورات الواقع وليست رهانا جديدا. وعلاقة بالعامل الثاني، ضرورة انفتاح المجتمع المدني المغربي على أنصار تقرير المصير من الصحراويين لتطوير علاقات ثقة نحو بحث مقترحات التفاهم وخلق أجواء جديدة ولينة للحوار. وسبق لصاحب هذا المقال أن طرح على صفحات «القدس العربي» هذا التصور في مقال بعنوان «حان وقت الحوار بين ناشطين مدنيين ومغاربة وصحراويين للمساهمة في حل نزاع الصحراء». بتاريخ 27 أكتوبر الماضي، إذ تحول بعض ناشطي الصحراء إلى لاعبين رئيسيين في نزاع الصحراء.
٭ كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»
د. حسين مجدوبي٭