هل يتحول مقتدى الصدر إلى «باب جديد إلى الله»؟

حجم الخط
10

برغم أن ثورتها إنتصرت في العام 1979 بمظاهرات الحشود المليونية، وأن نظامها «الجمهورية الإسلامية» قام على أساس إستفتاء شعبي العام 1980 وأن الإمام الخميني الراحل يعتقد وفق تفسيره لولاية الفقيه أن مشروعية النظام هي من قبول الشعب به، إلا أن إيران لا تبدو مرتاحة لما يجري حالياُ في العراق من مظاهرات واعتصامات، «تسلل» لها بنجاح زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، واستطاع أن يكون مرشدها الروحي وموجهها السياسي في لعبة تحالفات مع خصوم الأمس، خصوصاً المجلس الإسلامي الأعلى وزعيمه السيد عمار الحكيم.
إيران تدعم ما تسميها «الصحوة الإسلامية» في العالم العربي، وتجلى ذلك بعد إنطلاق ما يسمى «الربيع العربي» وإهتمام المرشد الأعلى آية الله سيد علي خامنئي بالثورات في تونس ومصر وليبيا، وأيضا في البحرين، مستثنياُ سوريا عندما أطلق صفحة خاصة في العالم الإفتراضي باسم «الصحوة الإسلامية»، تغاضى أو لم يكترث كثيرا للمظاهرات الكبيرة التي تخرج متواصلة منذ آب/أغسطس الماضي في الجارة العراق، وترفع شعارات ضد الفساد، تتناغم كثيرا مع توجهات المرشد، ورأيه في «الصحوة الإسلامية» التي قال إنها إجتاحت العالم العربي ردا على فساد الأنظمة وديكتاتورية الحكام، ليس لأن ما يجري في العراق لا يهم إيران، بل لأن لإيران وتحديداً المرشد خامنئي، رأيا في حصيلة ما يجري في العراق، وهي تضعه في إطار صراع النفوذ بينها وبين قوى في الإقليم خاصة تركيا والسعودية.
صحيح أن إيران منقسمة كعادتها بين المعتدلين ومعهم الإصلاحيين، والمحافظين المتشددين في المسائل الكبرى، إزاء التعامل مع الأزمات الإقليمية، إلا أن الغالب في النظرة الإيرانية إلى ما يجري في العراق من حراك، أنها غير مطمئنة إلى الجهات التي تقف خلف تلكم التطورات، وأن حصيلة ما يجري تصب في النهاية في صالح دول الإقليم، وإضعاف دور إيران ومعها المرجعية التي كانت سببا في نشوء الحشد الشعبي، في الحرب على الإرهاب. مهما قيل ويقال عن هيمنة إيران على العراق فإن ما تريده المرجعية الدينية في النجف يختلف كثيرا عما تريده إيران بشأن ما يجري في العراق، وتختلف أجندات الطرفين، إلا أن الاتفاق بينهما في العراق هو في العموميات بما يحول دون وقوع إقتتال شيعي شيعي جديد.
وبدا واضحاً منذ سقوط نظام صدام في العام 2003 افتراق التيار الصدري عن نهج المرجعية السائد في النجف واتهامها بالعمالة للاحتلال الأنكلو أمريكي، واقترابها آنذاك من إيران بشعارات»ثورية» منها محاربة الاحتلال  و» كلا كلا أمريكا» وأن تلك المرحلة كانت تخدم أجندة إيران في إضعاف مرجعية النجف لصالح مرجعية قم وبالتالي لايجاد موطئ قدم لمرجعية الولي الفقيه سيد علي خامنئي الذي تمكن من فتح مكاتب له في النجف وكربلاء، وإرسال وكلاء له كان أبرزهم الراحل آية الله محمد مهدي الآصفي.

مشروع الصدر

يبدو للوهلة الأولى أن مشروع السيد مقتدى الصدر بعد أن نجح في توظيف الحالة العراقية لصالحه، يقوم على أساس إسقاط الحكومة والبرلمان معاً، وكانت أطراف مهمة في التحالف الوطني الشيعي الحاكم قد بدأت في التفكير في التخلص من عبء وجود حزب الدعوة الإسلامية في السلطة، وكانت الغالبية البرلمانية تخطط لإسقاط الحكومة من خلال سحب الثقة عن رئيس الوزراء حيدر العبادي، وهذا الأمر يزعج إيران التي تدعم البيت الشيعي بما فيه حزب الدعوة، ويقلق مرجعية السيستاني الذي ينحسر دوره، إلا أن تقلبات مواقف الصدر، وهي سمة لا يستطيع هو التخلص منها، فتحت باباً جديدا وخطيراً بدأ «السيد» يلجه (ربما دون علم) وهو يبدي اهتماماً غير عادي بما يكتب عنه في الصحف الأجنبية. ويبدي أتباعه اهتماماً استثنائياً بـ»مديح» غير مألوف له يصدر من محللين وسياسيين غربيين، ومنهم أمريكيون، حتى قبل أن يفاجئ مقتدى الجميع ويطالب «منظمة الدول الإسلامية» الخاضعة من وجهة نظر العراقيين للسعودية)، والأمم المتحدة (التابعة لأمريكا) التدخل من أجل اخراج الشعب العراقي من محنته وتصحيح العملية السياسية ولو من خلال فكرة انتخابات مبكرة مرجحاً أن تكون الأخيرة «بداية لنهاية المحاصصة والفساد المستشري في أروقة السياسة والحكومة». وهذا الأمر جعل بعض الإيرانيين وكتّاب قريبين من إيران يرجحون أن السيد مقتدى الصدر يتحرك بإيحاءات «أجنبية» ويجري «ضخه» وهو يقرأ كل يوم «معجباً» بنفسه، ما يكتب عنه في وسائل الإعلام خصوصاً الغربية.
وبرز في هذا الصعيد، أن أتباعه أخذوا يروجون كلاما ينسب لمحللين غربيين بأسماء بعضها وهمي وينقلون عنهم «أن مقتدى الصدر ذكي جداً جداً لا يفهمه حتى المقربين منه ولا أتباعه ويبلور ويناور بخطوات هادئة محسوبة وبذكاء ويتقدم بخطوات ثم يتراجع خطوة واحدة لإيهام الكتل السياسية الرافضة لمشروعه الاصلاحي ومن ثم يتقدم عشر خطوات بدل الواحدة . وكل خطواته سلمية مع العلم انه يمتلك فصائل عسكرية قوية وقاعدة شعبية عريضة لكنه يخطو خطوات سلمية ومنضبطة ولا يريد إراقة الدماء بين الشعب والحكومة». مع ملاحظة أن الكثير مما ينقل عن أولئك الغربيين، وبعضهم وهمي، يُكتب بأخطاء إملائية وجهل واضح باللغة العربية، وكأن هناك يداً خفية لـ»السلوكيين المهدويين» المعروف عن معظمهم الأمية والجهل، تريد لهذا التيار ان يغرق في مستنقع الجهل ليتبع قائده بشكل أعمى نحو المجهول. حتى أن البعض من أتباعه ينشر قصصا عن شفائه المرضى، وقضائه الحاجات، وتم التبرك بخيمة اعتصامه في المنطقة الخضراء، والصلاة في المكان بعد أن فض اعتصامه، تبركا به، وبمقامه، وأنه الباب الموصل إلى الله، ربما مثل علي محمد رضا الشيرازي الذي أعلن في ليلة 5 جمادى الأولى في سنة 1260هجرية (23 مايو/أيار 1844ميلادية) وكان في الخامسة والعشرين من عمره، أنه، جاء مطبقاً للنبوءآت والوعود السابقة وأن مهمته هي تمهيد الطريق والتبشير بمجيء «من يظهره الله» الذي سيكون مربي العالم في هذا الزمن!.
 
الباب الثاني

مع صعود نجم المرجع الراحل السيد محمد الصدر، تتلمذ على يديه أشخاص أتهموا بارتباطهم بمخابرات النظام السابق، وقد خالفوا المنهج العرفاني الشرعي المعتدل الذي كان يتبناه والذي يجمع بين آداب السلوك وآداب الفقه، وعُرفوا بـ «المنتظرين» أو حركة جند المولى، والمولى هو السيد الصدر، إذ كانوا يعتقدون أن الإمام المهدي قد تجلى وظهر به، ومن هؤلاء منتظر الخفاجي وفرقد معز الدين القزويني. ثم تبعهم خط ثانٍ من السلوكيين من طلبة السيد الصدر، انتشروا في كل محافظات العراق الوسطى والجنوبية، كان أشهرهم حيدر مشتت القحطاني وأحمد اسماعيل كاطع (اليماني) وفاضل عبد الحسين(الرباني).
ونشأت تحت عباءة الصدر رغم أنه تبرأ منهم ومن فسقهم، حركات ظهرت بعد وفاته منها:
حركة «حيدر مشتت»: أبو عبد الله الحسين القحطاني  يدعي أنه هو اليماني وقد قتل على يد جماعة أحمد الحسن اليماني، أنضم معظم أتباعه مع جند السماء، وقتل الكثير منهم معهم في العمارة وبغداد.
2- حركة «أنصار المهدي»: أحمد اسماعيل كاطع السويلم، أحمد الحسن اليماني، يدعي أنه هو اليماني وأنه ابن ووصي الإمام المهدي في البصرة.
3- حركة «جند السماء»: ضياء عبدالزهرة الكرعاوي (قاضي السماء) يدعي أنه هو المهدي وانه ولد من بيضة مخصبة للزهراء من الإمام علي، قتل في معركة (الزركة) من الحلة.
4- حركة «الموطئون»: فاضل عبدالحسين المرسومي، الأمام الرباني يدعي أنه هو المهدي الموعود، وأن الله قد تجلى وظهر به، يدعو إلى وحدة الأديان، من ديالى.
5- حركة «الممهدون»: غير معروفة القيادة، تدعي أن المهدي قد ظهر منذ ستة أشهر، وأن اليماني هو الوسيط بينهم وبين الإمام، نشطت في محافظات الفرات الأوسط، وبغداد.
6- «حركة المختار»: الشريف حبيب الله ـ أبو علي المختار، ودعوة هذه الحركة مزيج من الأفكار الصوفية والتبشيرية المسيحية، نشطت في بغداد، زعيمها من أهالي الطالبية، والده شيوعي سابق كان يعمل في السحر وقراءة الفأل.
7- «حركة أصحاب القضية»: وهي حركتان في الواقع:
 «حركة روح الله» وتعتبر أن السيد روح الله الخميني هو المهدي، وإنه لم يمت بل غاب وسيظهر، نشطت في العمارة.
  «حركة النبأ العظيم» وتعتبر أن السيد مقتدى الصدر هو المهدي (ع)  ونشطت في العمارة.
كما ان التسمية «أصحاب القضية» تطلقها على نفسها كل من «حركة الممهدون» و»حركة اليماني» و»حركة القحطاني» وهو ما يؤشر لمنطلقاتهم الفكرية المشتركة.
 8- «حركة محمود الصرخي»: (الحوزة الصادقة) ويدعي زعيمها أنه يلتقي بالإمام المهدي وأنه الأعلم ويبطل تقليد باقي المراجع ولها نفوذ في الديوانية، وكربلاء.

فن التراجع

وربما هذا هو ما دفع مرجعية السيستاني إلى الإعلان صراحة من خلال صلاة جمعة كربلاء إلغاء الخطبة السياسية، لصلاة الجمعة من الجدولة الأسبوعية، عندما أعلن ممثل السيد السيستاني، أحمد الصافي وخلال خطبته الثانية التي ألقاها في الصحن الحسيني يوم الجمعة 5 شباط/فبراير أن الخطبة الثانية «السياسية» لصلاة الجمعة سوف لا تكون أسبوعياً في الوقت الحاضر بل حسبما يستجد من الأمور وتقتضيه المناسبات، بعد أن كان الدأب في ذلك أن تقرأ بشكل «نص مكتوب يمثل رؤى وأنظار المرجعية الدينية العليا في الشأن العراقي».
واكتفى الصافي بتلاوة مقاطع من دعاء الإمام علي بن الحسين لأهل الثغور.
قبل ذلك كانت المرجعية العليا أكدت في خطب سابقة لها من خلال المنبر نفسه وهي تخاطب من بيدهم الأمور من القوى السياسية الحاكمة بعدم وجود «ضرورة في تكراره على مسامعكم « بخصوص مطالبها في حل أزمات البلد، مكتفية «بالإشارة الى ان الأزمة المالية للبلد بلغت حداً خطيراً».
وفي خطبة اخرى ذكرت أن أصواتها التي «بُحّت» بلا جدوى من تكرار دعوة الاطراف المعنية من مختلف المكونات إلى رعاية السِلم الأهلي والتعايش السلمي بين أبناء هذا الوطن وحصر السلاح بيد الدولة ودعوة المسؤولين والقوى السياسية التي بيدها زمام الأمور إلى ان يَعوا حجم المسؤولية الملقاة على عواتقهم، وينبذوا الخلافات السياسية التي ليس وراءها إلا المصالح الشخصية والفئوية والمناطقية، ويجمعوا كلمتهم على إدارة البلد بما يحقق الرفاه والسعادة والتقدّم لأبناء شعبهم».

نجاح محمد علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية