قرر المفكران الفرنسيان البارزان من أصل عربي مغاربي عبد اللالي حجّاب ومروان محمد إعادة نشر كتابهما «الإسلاموفوبيا» (الخوف المرضيّ الوسواسي من الإسلام) الذي نشراه للمرة الأولى بالفرنسية في فترة ماضية وإضافتهما إلى هذا الكتاب الهام ملحقاً مفصلا كتباه منذ أشهر قليلة فقط ليواكب الكتاب ما حدث في فرنسا من تفجيرات إرهابية في الفترة الأخيرة وليفسر تعامل الحكومة والقيادات الفرنسية معها وضرورة ربط هذه الوقائع بمفهوم «الإسلاموفوبيا».
عبد اللالي حجّاب هو عالم اجتماع بارز ومسؤول واستاذ في جامعتي باريس الغربية (نانتير) وعضو في «معهد الدراسات الاجتماعية والسياسية» وله مؤلفات عديدة، ومروان محمد هو عالم اجتماع مسؤول عن الدراسات في «المركز الوطني للدراسات الاجتماعية» واختصاصي في دور الشباب في الحركات الراديكالية في فرنسا وأوروبا.
مفهوم «الإسلاموفوبيا» انطلق في أواخر القرن الماضي كمفهوم قد يؤدي إلى وضع اجتماعي متأزم من الضروري معالجته، وتوحدت الجهات الفرنسية المنفتحة في رغبتها تناوله وفهمه سياسياً واجتماعيا، ولكن هذه الجهات انقسمت في مطلع الألفية الثانية حول هذا الموضوع بين مجموعات تخشاه لكونه في رأيها يهدد كيان المجتمع الفرنسي وقيمه النابعة من الثورة الفرنسية فيما اليسار الراديكالي العلماني ومجموعات أخرى ترفض هذا المنطق وتعتبر ان «الإسلاموفوبيا» لا تختلف عن العداء للسامية الذي مارسته النازية ضد اليهود في أوروبا قبل وخلال الحرب العالمية الثانية، والذي تسعى على السير في خطاه منظمات يمينية متطرفة في فرنسا وأوروبا تعقد هذا المنهج نفسه ضد الأقليات.
المهم في هذا الكتاب القيم من منطلق فكري أكاديمي كونه ينطلق من منهجية علمية رفيعة المستوى بحيث يفضح الأحزاب التي تسمي نفسها «اشتراكية» في فرنسا وغيرها ولكنها بالفعل مرتبطة إلى درجة أكبر بالصهيونية وإسرائيل، والتي انتقلت إلى وجهة مناهضة للإسلاموفوبيا عندما بدأت مؤسسات المجتمع المدني الفرنسية اليسارية والعمالية بتأييد القضية الفلسطينية وبانتقاد إسرائيل.
فرئيس الوزراء الفرنسي السابق مانويل فالس، في عهد رئيس الجمهورية المنتهية ولايته فرنسوا أولاند، حسب الملحق الذي اضافه الكاتبان إلى الكتاب قبل الانتخابات الفرنسية الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، اعتبر ان المدافعين عن مبدأ «الإسلاموفوبيا» في فرنسا شكلوا ويشكلون حصان طروادة للسلفيين والجهاديين في فرنسا والعالم.
كما شكك مسؤولون آخرون في الحزب الاشتراكي الفرنسي في وجود مثل هذه «الإسلاموفوبيا» في فرنسا في وقت كانت تُطرد فتيات في الرابعة عشرة من أعمارهن من المدارس الحكومية الفرنسية لارتدائهن الحجاب استناداً إلى رغبتهن الشخصية وكما يفعلن في دول أوروبية وعالمية أخرى من دون تمييز ومضايقة.
وبالتالي، اعتبرت الحكومة الاشتراكية السابقة ان ارتداء الحجاب يشكل خطراً على قيمها وقيم فرنسا وشرائعها ودفعت ثمناً لذلك، إذ شعر مسلمو فرنسا بالتهميش إلى درجة قصوى وفقدوا شعورهم بالانتماء إلى المجتمع الفرنسي وصوتوا ضدها.
ومن جهة أخرى استفادت الأحزاب اليمينية المتطرفة من موقف الحزب الاشتراكي الفرنسي التمييزي المندرج في ما سمي «Politicall» (أي يصح ويُقبل طرحه سياسياً استنادا إلى القيم الفرنسية)، وفاقمت هذه المواقف احتقان الشعب الفرنسي ضد المسلمين المقيمين في البلاد وحتى الذين يحملون الجنسية الفرنسية والذين يوازي عددهم العشرة ملايين وجعلتهم اعداء.
ولم يجرؤ رؤساء فرنسا أو المرشحون للرئاسة في ذلك البلد على استخدام مفهوم «الإسلاموفوبيا» (حسب المؤلفين) إلا في خطابات عرضية هدفها استقطاب أصوات الناخبين المسلمين.
وقد استخدم الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا أولاند هذا المفهوم للمرة الأولى، حسب المؤلفين، في 16 كانون الأول/يناير 2015 مخاطباً السلك الدبلوماسي الفرنسي، كما ربط بعض مساعديه هذا المفهوم بمفهوم العداء للسامية وللأجانب، ولكن بشكل مؤقت ولأهداف انتخابية. وبرغم ذلك أشار هؤلاء «المنفتحون» إلى ان التعاطف مع مفهوم «الإسلاموفوبيا» قد يؤدي إلى تقسيم المجتمع الفرنسي.
أي انه مع الاعتراف «الخطابي» ربما بضرورة معالجة وجود مثل هذا المفهوم، كانت القيادات الفرنسية تؤكد (في أفعالها) تشكيكها وخشيتها من الإسلام والمجموعات الإسلامية و»الإسلاموفوبيا» وكانت بلديات فرنسا المختلفة تطبق سياسات مجحفة واقصائية ضد فتيات وتلميذات مسلمات رغبن في ارتداء الزي الإسلامي وتطردهن من المدارس أمام أعين وزراء وبرلمانيين لا يتحركون بما فيه الكفاية لوقف هذه الممارسات وبعضهم أيدها.
وهكذا فان الأجيال الجديدة من الفرنسيين المسلمين من أصل مغاربي صاروا (حسب المؤلفين) يميلون إلى درجة أكبر إلى المنظمات الإسلامية المتشددة والجهادية وأكثر عرضة للتحريض من قادة متطرفين ضد المجتمعات التي يسكنونها وضد قيمها التي قيل لهم انها مناهضة للإسلام.
وبعد عمليات إرهابية نفذتها مجموعات من الشباب الفرنسيين من أصل إسلامي (وخصوصا مغاربي) اعتُبر المؤيدون لمكافحة «الإسلاموفوبيا» متواطئين مع مرتكبي هذه العمليات. واعتبر الفرنسيون المحافظون والتقليديون الإسلامي مرضاً اجتماعياً وسياسياً، وأصبح كثير من السكان العاديين الفرنسيين ينظرون إلى المجموعة الاجتماعية المسلمة في فرنسا (بعد العمليات الإرهابية لعام 2015) كمجموعة متلاحمة مؤيدة للإرهاب وربما كمجموعة يجب ان يتم التعامل معها بالإقصاء والعنصرية وليس كما يتم التعامل مع الأقليات الأخرى المسالمة في البلد.
بعد العمليات الإرهابية في فرنسا (عام 2015) يقول المؤلفان، شعر الشعب الفرنسي بانه لا يمكن ان تكون له علاقة إيجابية بمجموعات ترتكب مثل هذه الجرائم.
ولعل الذين ارتكبوها (بالفعل) كانوا يسعون لتحقيق هذا الهدف، حسب المؤلفين.
وانطلق توجه في عقول كثيرين من أبناء الشعب الفرنسي بضرورة العقاب الجماعي للمسلمين بعد الاعتداءات على صحيفة «تشارلي ايبدو» حسب المؤلفين.
ولعل أهم صفحة في الملحق الذي أضيف على الكتاب هي الأخيرة (ص 288) حيث يقول المؤلفان انه تواجد تواصل بين مرتكبي جرائم الإرهاب في فرنسا في السنوات الماضية وبين خصومهم، فالامبريالية تغذي العنف السياسي الذي يؤدي إلى «الإسلاموفوبيا»، والإسلاموفوبيا بدورها تسير في منحى يقود لارتكاب العنف السياسي الانتقامي ضد ممارسي هذه الآفة إزاء الشعوب الإسلامية والعربية. وهذا الأمر يشكل مصدر إفادة للامبريالية، فالعنف السياسي و»الإسلاموفوبيا» يحتاجان لبعضهما الآخر لتوفير المبررات للمنظمات الجهادية العنيفة (حسب المؤلفين) ولكي يستمر المنهج الفائل أن مفهوم الإسلام (من جهة) ومفهوم الجمهورية الديمقراطية (من جهة أخرى) يمكنهما ان يتعايشا.
ويقترح المؤلفان في نهاية ملحق كتابهما، إطلاق مشروع دراسات نقدية للأسباب الاجتماعية والسياسية المؤدية لنشوء العنف.
وخلاصة الكتاب ان مجموعات النخبة في فرنسا عليها أن تعالج «الإسلاموفوبيا» المنتشرة في أرجائها واستخدام العلوم الاجتماعية ومنهجياتها لمعالجة هذا الموضوع بشكل علمي فعال.
يذكر ان الكتاب في قسميه السابق والحالي نبه بشدة إلى خطورة عدم معالجة هذه الأمور المصيرية بشكل موضوعي وعلمي، ولكن المسؤولين لم يكترثوا لاستنتاجاته ولمقترحاته وتنبيهاته، وحدث ما حدث في السنوات الماضية من عمليات إرهابية بشعة على الأرض الفرنسية.
ويأسف المؤلفان للانقسام الذي يمر بين المجموعات الإنسانية والمدنية التوجه على الأرض الفرنسية إزاء مصير الأقليات في البلد وذلك على الرغم من تشابه أوضاع مسلمي فرنسا وفلسطين والعالم مع أوضاع اليهود في فرنسا وأوروبا قبل وخلال وبعد الحرب العالمية الثانية (إلى حد ما).
ففي الفصل (11) وموضوعه (العداء للسامية و»الإسلاموفوبيا» يستشهد الكاتبان بمواقف المفكر الفلسطيني ـ الراحل ادوارد سعيد التي يقول فيها ان العرب هم «ساميون» في مظهرهم الخارجي وحضارتهم ومن المفروض ان يعارض خصوم العداء للسامية مفهوم العداء للإسلام والخشية منه، ولكن هذا الأمر تعطل عندما شعر أرباب المعاداة للسامية بان العداء لـ»الإسلاموفوبيا» قد يؤدي إلى تأييد القضية الفلسطينية على حساب الاحتلال الإسرائيلي لأراضي الفلسطينيين، وبالتالي، تواطأت مؤسسات إنسانية كمؤسسة «SOS Racisme» المناهضة للعنصرية مع الموقف الإسرائيلي في التعامل الإقصائي ضد العرب والفلسطينيين المسلمين في فرنسا والعالم.
الفصل الثاني عشر في الكتاب يوضح هذه القضية ويفسر لماذا يتقاعس قادة فرنسا الحاليين من اليسار واليمين (باستثناء أقصى اليسار) عن اتخاذ مواقف مناهضة لـ»الإسلاموفوبيا» على جانب مواقفهم الشاجبة للعداء للسامية.
ويقول المؤلفان في الصفحة (207) من الكتاب ان المنبع الأساسي للحذر والتجاذبات بين اللوبيين اليهودي (من جهة) والمسلم العربي في فرنسا (من جهة أخرى) هو النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. فالفرنسيون الوافدون من المغرب العربي يؤيدون القضية الفلسطينية، فيما تؤيد منظمة «SOS Racisme» الفرنسية إسرائيل وتقف إلى جانب المؤسسات والمجموعات اليهودية الاجتماعية في فرنسا منذ عام 2000. والاختلاف السياسي هذا لعب دوراً في التأثير إلى درجة كبيرة على نظرة الشعب الفرنسي عموما إلى المسلمين بعدما «حُقن» هذا الشعب إعلامياً في هذا المجال. وهذا في رأيهما يشكل نوعاً من الاستعمار الثقافي الجديد (ص 208) وصار الإعلام الفرنسي يصور «الإسلاموفوبيا» وكأنها اختراع فرضته جمهورية إيران الإسلامية ورجال الدين فيها على الشعب الفرنسي (ص 211).
Abdellali Hajjat et Marwan Mohammed : Islamophobie. Comment les élites françaises fabriquent le « problème musulman».
La Découverte, Paris 2016
328 pages.