في بداية عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي تم طرح العديد من الأسئلة ـ هل يستطيع السيسي تحقيق العدالة الإجتماعية في ظل سياسة التحرير الإقتصادي (الرأسمالية المتوحشة)؟
هل يتجه إلى تغيير النظام الإقتصادي وتطبيق نظام السوق الإجتماعي في المرحلة المقبلة؟
هل يستطيع تنفيذ سياسات اقتصادية لمواجهة مشكلة البطالة ودعم الفقراء وذوي الدخل المحدود ؟
يقصد بالعدالة الإجتماعية تطبيق سياسات تهدف إلى تحسين مستوى المعيشة من خلال تخفيض حدة التفاوت في الدخل بين فئات المجتمع ويتطلب تحقيق العدالة الاجتماعية تطبيق سياسات طويلة الأجل تهدف إلى إحداث تغيير في هيكل الأجور من خلال تطبيق الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور وفي نفس الوقت تطبيق سياسات قصيرة الأجل لإحداث تغيير في النظام الضريبي بهدف تطبيق الضريبة التصاعدية وبالتالي تخفيض الضرائب على الفقراء وزيادة الضرائب على الأغنياء بحيث يصل سعر الضريبة إلى (30٪) على أصحاب الدخول أكثر من مليون جنيه بالإضافة إلى تطبيق الضريبة العقارية وضريبة القيمة المضافة، كما يتطلب تحقيق العدالة الاجتماعية تنفيذ إستراتيجية جديدة لدعم الفقراء وذوي الدخل المحدود وتنفيذ إستراتيجية لمواجهة البطالة.
غياب العدالة الإجتماعية يهدد التنمية الاقتصادية:
كان المجتمع المصري قبل ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011 مستعدا للثورة بسبب غياب العدالة الاجتماعية وتدهور مستوى المعيشة من جهة وتطبيق سياسة التحرر الاقتصادي (الرأسمالية المتوحشة) من جهة أخرى حيث إعتمد نظام مبارك على اقتصاديات السوق وإعطاء دور اكبر للقطاع الخاص في عملية التنمية بهدف تخصيص الموارد المتاحة لتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة من خلال نظام الأسعار وترك الفرصة لعوامل الطلب والعرض لتلعب دورها في مجالات الإستثمار والإنتاج والعمالة، بالإضافة إلى اندماج الاقتصاد المصري في العالمي وكان لتطبيق تلك السياسات آثارا اقتصادية واجتماعية سلبية على المجتمع المصري، وعلى الرغم من ذلك لم يعترف مبارك بغياب العدالة الاجتماعية وفشل سياسة التحرر الاقتصادي.
وإنتهجت حكومته سياسات ليبرالية متشددة لم تحقق أهداف المجتمع الأمر الذي كان من أهم أسباب الثورة التي نجحت في إسقاط النظام وكانت أهداف الثورة (عيش حرية وعدالة أجماعية).
التحول إلى نظام السوق الاجتماعي:
على الرغم من تحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي في ظل سياسة التحرير الاقتصادي قبل ثورة 25 يناير إلا أن النمو الاقتصادي صاحبه زيادة في نسبة الفقراء التي تقدرها مؤسسات التمويل الدولية بحوالي 40٪ من السكان، وانخفض دخل 20٪ من الفقراء إلى اقل من 1200 جنيه سنويا ويرى العديد من الخبراء أن تطبيق سياسة التحرر الاقتصادي أدى إلى غياب العدالة الاجتماعية وتدهور مستوى المعيشة واختلال هيكل الأجور بسبب التفاوت الكبير بين الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور. وتشير المؤشرات الاقتصادية عام 2014 إلى ارتفاع معدلات التضخم إلى (11٪) وارتفاع معدل البطالة إلى (13.4٪) الأمر الذي يهدد المجتمع المصري إذا لم تتجه الحكومة إلى العدول عن سياسة التحرر الإقتصادي وسياسة الخصخصة وإنتهاج نظام اقتصادي جديد يجمع بين التنمية الإقتصادية والعدالة الإجتماعية وهو نظام السوق الإجتماعي المطبق حاليا في ألمانيا.
ويستطيع الرئيس السيسي بعد أستخلاص الدروس من تجارب الماضي ومشاكل الحاضر التحول إلى نظام السوق الاجتماعي وإعادة صياغة الأهداف الإقتصادية للمجتمع المصري التي بحيث تلقى قبولا عاما من الشعب وتستجيب مع أمانيه في حياة أفضل.
ويتطلب تحديد الأهداف الإقتصادية للمجتمع فهم الواقع والاعتراف بالأزمة الراهنة ورسم صورة واقعية لمستقبل الاقتصاد لان وضوح الرؤية المستقبلية سيكون عنصرا فعالا في معالجة مشكلات الحاضر والتأهب لمعالجه قضايا المستقبل.
ويهدف التحول إلى نظام السوق الإجتماعي لتحقيق التنمية الإقتصادية والعدالة الإجتماعية في آن واحد وذلك على النحو التالي:
تصحيح الخلل في هيكل الاقتصاد وإعادة بنائه بالاعتماد على أسلوب الإنتاج الرأسمالي الذي يقوم على سيادة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والاعتماد على آليات السوق في تخصص الموارد وتطبيق نظام التخطيط التأشيري وإحياء دور الدولة التنموي والاجتماعي.
بناء الإقتصاد الوطني المستقل بحيث تكون توجهات التنمية نحو الداخل والإعتماد على الذات عن طريق تحقيق الإكتفاء الذاتي وتصفية الديون الخارجية وتنمية الصادرات.
إعادة توطين السكان والأنشطة الاقتصادية خارج الوادي والدلتا والأخذ بأسلوب التخطيط الإقليمي كأساس للتنمية وإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة للحد من ظاهرة الهجرة من الريف إلى الحضر وانتشار العشوائيات في المناطق الحضرية.
تحقيق العدالة الإجتماعية وتحسين مستوى المعيشة عن طريق تخفيف حدة الفوارق بين الدخول وإشباع الحاجات الأساسية للمواطنين واستمرار سياسة الدعم مع ترشيده وتنفيذ برامج لدعم الفقراء ذوي الدخل المحدود وتنفيذ برامج لمواجهة مشكلة البطالة حيث يتطلب تحسين مستوى المعيشة تحقيق معدلات نمو اقتصادي عالية في مجال الصناعة والزراعة والخدمات تنعكس بدورها على رفع مستوى الدخل الحقيقي للأفراد ورفع معدلات الاستهلاك، حيث تعتبر زيادة الدخل المقياس الوحيد لرفاهية المجتمع.
تنفيذ إستراتيجية جديدة لدعم الفقراء:
يعتبر دعم الفقراء وذوي الدخل المحدود أهم الأهداف الإقتصادية للحكومة في عهد الرئيس السيسي ويتطلب ذلك تنفيذ إستراتيجية جديدة بهدف دعم الفقراء وبالتالي زيادة نفقات الموازنة العامة المخصصة للأجور والدعم والمزايا الإجتماعية وتوفير التمويل اللازم لذلك وتطبيق سياسات اقتصادية لتخفيض معدلات التضخم وإستقرار سعر الصرف وخفض معدلات الضرائب على الفقراء وزيادة الإستثمارات العامة الموجهة لعلاج مشكلة الفقر في الوجه القبلي بصفة خاصة والتركيز على الإستثمارات كثيفة العمالة ودعم المشروعات الصغيرة وخفض تكلفة التعليم في المناطق الفقيرة بالإضافة إلى دعم شبكات الضمان الإجتماعي وبصفة خاصة الصندوق الإجتماعي للتنمية والإستفادة من القرض الممنوح من البنك الدولي للتنمية والتعمير البالغ 300 مليون دولار لدعم المشروعات الصغيرة.
ومن أهم البرامج المقترحة لمواجهة مشكلة الفقر توفير التمويل اللازم لتنمية القرى الأكثر فقرا وتطوير المناطق العشوائية في حدود مليون جنيه لكل قرية أو منطقة عشوائية ويكون البداية باختيار 50 قرية و 50 منطقة عشوائية ينخفض فيها مؤشرات التنمية البشرية التي تشمل انخفاض متوسط الدخل الفردي وارتفاع معدل البطالة.
تنفيذ إستراتيجية جديدة لمواصلة مشكلة البطالة:
إتجهت الحكومة المصرية في عهد الرئيس المخلوع مبارك إلى تنفيذ سياسة التحرر الاقتصادي وسياسة الخصخصة وخروج الدولة من إنتاج السلع والخدمات وكان لهذه السياسة آثار اقتصادية واجتماعية سلبية أدت إلى إرتفاع معدل البطالة وزاد عدد العاطلين بين الشباب المتعلم الذي لم تتح له فرصه لتنمية المهارات من خلال التدريب المستمر.
وقد فشلت سياسات الحكومة في توفير فرص العمل بسبب عدم الربط بين سياسات التعليم والتدريب من جهة واحتياجات سوق العمل من التخصصات التي تطلبتها المشروعات الإنتاجية من جهة أخرى الأمر الذي أدى إلى وجود عجز في العمالة ذات المستوى الجيد التي تتفق مع متطلبات سوق العمل ووجود فائض في العمالة لا تتمتع بالمهارات التي يطلبها سوق العمل.
وتعتبر سياسات التعليم والتدريب أهم السياسات التي تستهدف تنمية الموارد البشرية من خلال توفير التعليم الجيد حيث يكتسب العامل مهارات أساسية وقدرة على التعليم المستمر والإبتكار والإبداع بالإضافة إلى سياسات التدريب التي تهدف إلى توجيه العمال حسب قدراتهم ومهاراتهم إلى إتقان المهن والأعمال المناسبة، بما يحقق التشغيل الكامل والإستخدام الأمثل للموارد البشرية وتحقيق معدلات النمو الاقتصادي المستهدف وبالتالي يتحسن مستوى المعيشة وارتفاع متوسط دخل الفرد وبالتالي تحقيق أهداف الثورة. يتطلب تنفيذ الإســـتراتيجية المقترحة لمواجهة البطالة تنفيذ ســـياسات اقتصادية واجتماعية تستهدف ما يلي:
تعبئة الإستثمارات اللازمة لزيادة قدرة الإقتصاد المصري على توليد فرص عمل توفير التمويل اللازم للإستثمارات العامة وبصفة خاصة مشروعات البنية الأساسية ومشروعات استصلاح الأراضي وإنشاء المجتمعات العمرانية الجديدة وإنشاء المناطق الحرة والمناطق الصناعية والتعدينية.
تعبئة الاستثمارات الخاصة المحلية والأجنبية لزيادة قدرة الاقتصاد المصري على توليد فرص عمل جديدة في المشروعات الصناعية والزراعية والمشروعات الصغيرة والصناعات المغذية للمشروعات الكبرى وبالتالي توفر فرص عمل كثيفة وبذلك تتكامل الاستثمارات الخاصة والاستثمارات العامة لتوفير فرص عمل جديدة والحد من معدلات البطالة المرتفعة حاليا.
ربط سياسات التعليم وسياسات التدريب باحتياجات سوق العمل حيث يؤدي تخلف المستوى التعليمي وتخلف هيكل العمالة وانخفاض درجة المهارة إلى عدم الإستغلال الأمثل للموارد البشرية المتاحة لذلك ينبغي الإهتمام بجودة التعليم وإعادة النظر في التخصصات المتاحة في الجامعات والمعاهد لتلبية احتياجات سوق العمل والاهتمام بالتدريب المستمر بهدف رفع المهارات ورفع كفاءة الموارد البشرية.
الإهتمام بالطلب الخارجي على العمالة المصرية بهدف خفض معدلات البطالة حيث تتمتع مصر بميزة تنافسية، ويتطلب ذلك تخطيط الطلب على العمالة في الخارج وتوقيع معاهدات العمل مع دول الخليج العربي وتوفير العمالة بالمواصفات المطلوبة في ظل المهارات والكفاءات المتاحة.
الإهتمام بجودة التعليم بهدف تأهيل الموارد البشرية لاستيعاب التكنولوجيا المحلية في المشروعات الإنتاجية واستيعاب التكنولوجيا المستوردة في الإنتاج المحلي وتطويرها لخدمة المنتجات المحلية.
استاذ الاقتصاد ـ جامعة مصر للعوم والتكنولوجيا
د. مصطفى النشرتي