هل يستغل عباس الفرصة لتركيع حماس؟

حجم الخط
0

لو كان الحديث يدور عن حياة الناس، لكان هذا مضحكاً. صفحة الفيس بوك لوكالة الانباء «شهاب» من غزة التي تعمل برعاية حماس، كادت تتفجر يوم الاثنين مساء من ردود الفعل المنددة. فقد نقلت الصفحة بالبث الحي والمباشر خطاب أبو مازن من رام الله. لقد وصف رئيس السلطة السفير الأمريكي في إسرائيل «ابن كلب»، ولكن هذا لم يعن المتصفحين. فقد ركزوا على تهديداته لمواصلة المس بنسيج الحياة المتعذر لسكان القطاع. «عميل وكلب»، كتب له أنس نغم من غزة. «الله يحاسبك على ما فعلته»، تمنت له شروق حوسان، امرأة من القطاع. وكالوا له الشتائم النابية.
ليست هذه هي المرة الاولى التي يتعاطى فيها الفلسطينيون، ولا سيما سكان غزة، بمثل هذه الفظاظة مع الزعيم الشرعي للشعب الفلسطيني، كما درج رجال محمود عباس على تسميته. ولكن لا شك ان هذه المرة كسبها عن حق.
فوسائل الاعلام الإسرائيلية انقضت، على عادتها تقريبا، على ما هو لذيذ وفضائحي في خطاب أبو مازن ـ الشتيمة التي أطلقها نحو السفير الأمريكي ـ ولكن أساس الخطاب جاء في نهايته في عدة جمل قرأها الرئيس في نبرته المعروفة بوتيرتها الواحدة.
«أجابوني في حركة حماس ومن حكمها غير القانوني بالرد السلبي والعنيد ذاته»، روى عن محادثات المصالحة. «وبالتالي، بصفتي رئيس الشعب الفلسطيني، قررت أن أتخذ الوسائل الوطنية، القانونية والمالية الكاملة، وذلك للحفاظ على المشروع الوطني».
أبو مازن لم يفصل، ولكن محافل مقربة منه أجادت في أن تفسر تهديداته على مسامعنا. يتبين أنه ينوي حرمان القطاع من كامل التمويل للكهرباء، التي تشتريها حماس من إسرائيل. هذه الخطوة ستقلص التوريد إلى ساعة في اليوم وربما أقل، وستعرض للخطر منشآت حيوية كالمستشفيات والعيادات. الامر ذاته سيتم بالنسبة للمياه التي يشتريها القطاع من إسرائيل. وبعد ذلك سيجمد الرواتب لعشرين ألف موظف حكومي وهكذا سيحرم آلاف العائلات من دخلها.
إلى أن وصل إلى تلك الذروة، اشتكى ابو مازن مطولا من ربط حماس المصالحة وإصرارها على ابقاء السلاح في أيديها. وعجب من أن الانقسام يعرض كمناكفة بين الطرفين، إذ ان هناك طرفاً واحداً فقط في هذه المناكفة، وهو ليس السلطة. وفي أحاديث مع مقربين مؤخرا درج على العجب من زعماء حماس. فقد تساءل ماذا يظنون أنفسهم، أن نتلقى المسؤولية الحكومية عن القطاع، نضخ عشرات ملايين الدولارات في الشهر، ولكن في اللحظة التي يغضب فيها محمد ضيف، مرة اخرى يخرج إلى الحرب مع إسرائيل؟».
هذا ليس فقط أبو مازن بل وأيضاً مستشاريه. بعضهم يحثونه منذ أشهر طويلة على تحطيم المصالحة. وهم يشجعونه قائلين انهم سيأخذون منا المال ويضحكون علينا. «زعران»، وصف زعماء حماس في خطاب هذا الاسبوع، «بعد الانتخابات التي فازوا فيها، ثارت خلافات. ذهبنا إلى مكة وأقسمنا على الكعبة. ولكن لا توجد أي علاقة بينهم وبين الإسلام. بعد ثلاثة أشهر من ذلك قاموا بالانقلاب».
لا شك أن ابو مازن يشم رائحة فرصة ذهبية لإنزال حماس على ركبتيها وتصفيتها سياسيا واقتصاديا ولكن في الطريق إلى هناك يترك سكان القطاع لمصيرهم. لقد كان هذا خطابا منفعلا، بل وحتى عنيفاً، ولعله الاعنف الذي يلقيه في حياته. يوم الاثنين سيحتفل بـ 83 سنة. خلفه اكثر من 50 سنة نشاط في قيادة شعبه. كانت هناك فترات شعر فيها بأنه على مسافة لمسة من حلم الدولة المستقلة، ولكنه في نهايته لن يحظى برؤيته. ففي جسده يعشعش الآن مرض، وهو متعلق بالادوية، وفي المستقبل المنظور سيعتزل. وبالذات في آخر أيامه انكشف كرجل شقاق وخصام. مكروه من أبناء شعبه في غزة، في شتات الاردن ولبنان، وذو علاقات باردة مع مصر. آلامه كثيرة، الجسدية والسياسية، وفي الأفق السياسي لا يمكنه أن يواسي نفسه. مسيرة السلام ليست مجمدة فقط، بل أُلقي بها إلى الجارور. وفي السنة الاخيرة انضم الأمريكيون أيضاً إلى قائمة خصومه. خطتهم للسلام وكأنها حيكت على قياس نتنياهو ووزراء اليمين، ولا تصل حتى طرف أهداب الحلم الفلسطيني. واشنطن اليوم، بالنسبة لأبو مازن، إلى جانب حماس. كلاهما يعدان الدقائق حتى رحيله.
منذ أوسلو، كانت الولايات المتحدة دوماً الراشد المسؤول في أيام الأزمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وبقيت عاملاً مهدئاً ولكنها للإسرائيليين فقط. إذا شئتم أن تعرفوا ما يفكرون عنهم في السلطة، راجعوا قاموس شتائم أبو مازن.
ورغم كل هذا، فإن من هو جدير بالرحمة ليس أبو مازن بل ملونون من سكان غزة. في دول المنطقة، وحتى في قيادة م.ت.ف هناك من فوجئوا بخطته الجديدة، مثلما لمّح بها في ذاك الخطاب. وفي هذه الأثناء فإنه أعلن فقط عن الخطوات التي ستتخذ، ولكنه لم يجعلها سارية المفعول بعد، ولكن رجاله أخذوا الانطباع بأن نواياه جدية. هذه الخطوات ستلقي بضربة موت على الحياة اليومية في القطاع، وهي تشكل تنكيلا مباشرا، وعن وعي هاديء، بسكانه، الذين لم يفعلوا لابو مازن شيئاً. بل انها تضغط جدا جهاز الامن في إسرائيل، الذي يقف على أي حال أمام فترة متوترة مع حلول يوم النكبة وتظاهرات الجدار، التي ستبدأ الاسبوع القادم.
قلة يمكنهم أن يجيبوا هذا الاسبوع على السؤال كيف لا يرى الرئيس ضائقة أبناء شعبه في القطاع. فالغزيون يفتحون الصنبور، تسيل منها مياه شرب مليئة بالجراثيم. ينهضون في الصباح إلى بيت ليس فيه تيار كهرباء. ليس لمعظمهم مكان عمل، والبقالة المجاورة للبيت فيها منتجات اساسية، ولكن للكثيرين منهم لا مال لشرائها. أما هو فيعنيه رفض حماس.
بين عواصم المنطقة جرى تراكض حثيث لمنع كاسحة العشب المعربدة التي تسمّى محمود عباس من قمع كل فرصة للحياة الطبيعية في القطاع. مصر، الاردن، قطر، كلهم حاولوا الحديث إلى قلبه. وحتى وقت غير بعيد كان يمكن للأمريكيين أن يفعلوا هذا أيضاً. المشكلة هي أن احداً من هؤلاء تقريبا ليست لديه روافع ضغط ثقيلة على الرئيس العجوز. الوحيدة التي يمكنها أن تحشره إلى الحائط وتمنعه من دفع القطاع إلى الانهيار، هي إسرائيل.

معاريف 23/3/2018

هل يستغل عباس الفرصة لتركيع حماس؟

جاكي خوجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية