هل يطوي «الاستفتاء» الصفحة الأخيرة في ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؟

حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: منذ أن قدمت تركيا طلباً رسمياً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قبيل 30 عاماً، لم تصل العلاقات المتعثرة بين الجانبين طوال السنوات الماضية إلى هذا الحد من التوتر الذي بات ينذر بشكل جدي وأكثر من أي وقت مضى باحتمال قرب إغلاق ملف الانضمام والإعلان عن فشل هذه المحاولة.
وبجانب ملفات الخلاف التاريخية بين أنقرة وبروكسل، برزت خلال السنوات الأخيرة ملفات الهجرة والحريات ومحاولة الانقلاب في تركيا وتلويح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإعادة العمل بعقوبة الإعدام في خطوة اعتبرتها أوروبا بمثابة النهاية لـ«الحلم التركي» بالانضمام للاتحاد الذي يهدد الرئيس التركي بإجراء استفتاء شعبي حول سحب ملف الانضمام إليه.
وفي خضم جميع هذه الأزمات، جاء الاستفتاء الذي جرى الأحد الماضي في تركيا حول حزمة تعديلات دستورية تتضمن تحويل نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي ليفجر مزيدا من الخلافات وليتحول ربما إلى القشة التي يمكن أن تقسم ظهر البعير وتعلن وفاة المحاولات وطي الصفحة الأخيرة في ملف انضمام أنقرة إلى الاتحاد.

30 عاماً على ملف العضوية

في الرابع عشر من أبريل/نيسان من عام 1987 تقدمت تركيا بأول طلب رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي، وسبق ذلك أن طلبت في عام 1959 الحصول على عضوية الجمعية الأوروبية التي انقبلت فيها عام 1963، ولاحقاً وقعت أنقرة في عام 1995 اتفاقية اتحاد جمركي مع الاتحاد في أهم تقدم حصل بين الجانبين آنذاك.
لكن التقدم الأبرز كان في 1999 عندما تم الاعتراف بتركيا رسمياً بصفتها دولة مرشحة للعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، ومن أجل بدء المفاوضات وضعت الدول الأوروبية سلسلة طويلة من الشروط تتعلق باحترام الأقليات وحقوق الإنسان والحريات وإلغاء عقوبة الإعدام وتحسين العلاقات مع اليونان، بالإضافة إلى كف يد الجيش التركي عن التدخل في الحياة السياسية في البلاد.
وعلى الرغم من تنفيذ أنقرة لعدد كبير من الإصلاحات المتعلقة بهذه المطالب وإلغائها بالفعل لعقوبة الإعدام وسن قوانين تتعلق بتوسيع الحريات العامة واحترام المعتقدات والأقليات بجانب الإصلاحات القضائية وتعزيز الحياة الديمقراطية في البلاد إلا أن مفاوضات العضوية الكاملة لم تبدأ رسمياً إلا في عام 2005 ورأت تركيا أن الاتحاد ماطل وتعمد العمل ببطء جديد في فتح ملفات الانضمام من أجل كسب الوقت وفي إطار خطة محكمة تهدف في أساسها لإعاقة إتمام ملفات العضوية، حسب تعبيرها.
وطوال السنوات الماضية شهدت مفاوضات الانضمام انتكاسات متتالية بمبررات أوروبية تتعلق بعدم التقدم بالإصلاحات والأزمة مع قبرص والحرب على المتمردين الأكراد وقضية الأرمن، لكن زعماء جهات أوروبية كانت أكثر وضوحاً وعبرت علناً عن رفضها المطلق لانضمام تركيا إلى الاتحاد وقالت إنها تعمل من أجل إفشال انضمامها وسط دعوات للبحث عن اتفاقيات شراكة دون أي حديث عن ضم تركيا للاتحاد.

اتفاقية اللاجئين

كان للأزمة المتصاعدة في سوريا منذ قرابة 7 سنوات أثر كبير جداً على العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وبرز ذلك بشكل جلي في موضوع اللاجئين الذين بدأوا يتدفقون بأعداد كبيرة جداً إلى اليونان ومنها إلى أوروبا انطلاقاً من الأراضي التركية ما شكل أزمة كبيرة للدول الأوروبية ودفعها للتفاوض مع أردوغان حول المشكلة التي اتخذ منها الرئيس التركي ورقة ضغط ضد الاتحاد.
ومع ذروة موجات الهجرة وصل من تركيا إلى أوروبا عام 2015 قرابة مليون لاجئ معظمهم سوريين قبل أن يوقع الجانبان ما عرف بـ«اتفاقية إعادة قبول اللاجئين» والتي بموجبها تعمل أنقرة على منع موجات الهجرة وقبول إعادة من ينجح بالوصول إلى اليونان، مقابل تقديم مساعدات بقيمة 6 مليار يورو لأنقرة لإنفاقها على اللاجئين على أراضيها ورفع تأشيرة الدخول عن المواطنين الأتراك الراغبين في الوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي. لكن الأمور لم تسر كما كان مخططا لها لا سيما عقب إقالة أردوغان غير المباشرة لرئيس الوزراء ومهندس الاتفاق أحمد داود أوغلو لأسباب منها ما يتعلق بما يعتبره أردوغان ـ تنازلات قدمها داود أوغلو لأوروبا، وبينما رفضت أنقرة شروط تعديل قانون مكافحة الإرهاب في البلاد لم ينفذ الاتحاد حتى اليوم بند رفع التأشيرة عن المواطنين الأتراك وهو ما دفع كبار المسؤولين الأتراك لإطلاق سلسلة طويلة من التهديدات بنسف اتفاق الهجرة وفتح الباب واسعاً أمام تدفق مئات آلاف اللاجئين الجدد.
وبينما أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن بلاده ستقدم «عرضها الأخير» للاتحاد عقب الاستفتاء، هدد أردوغان بشكل أوضح بنسف الاتفاق وإجراء مراجعة شاملة للعلاقات مع أوروبا، فيما هدد نائب رئيس الوزراء التركي بفتح طريق جديد للهجرة من إيران إلى تركيا وصولاً إلى أوروبا قد يتدفق منه 3 مليون لاجئ، وهو ما يثير مخاوف بروكسل ويدفعها لمحاولة الإبقاء على «شعرة معاوية» مع تركيا.

محاولة الانقلاب وإعادة عقوبة الإعدام

وفي الوقت الذي كانت تتصاعد فيه الأزمة بين الجانبين حول اتفاق اللاجئين، هزت تركيا محاولة انقلاب فاشلة في الخامس عشر من تموز/يوليو الماضي وحملت معها المزيد من التصعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي اتهم بالتعاطف مع «الانقلابيين» وتقديم الدعم لهم، حسب حملات إعلامية ضخمة قادتها وسائل الإعلام الموالية للحكومة وأردوغان ضد دول الاتحاد الأوروبي.
وعقب حملة التطهير التي قام بها أردوغان ضد المتهمين بدعم المحاولة، صوت البرلمان الأوروبي نهاية العام الماضي على قرار غير ملزم بتعليق مفاوضات انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد، وسط دعوات غير مسبوقة بإغلاق الملف بشكل نهائي.
هذه الدعوات تصاعدت بشكل أكبر وأخذت منحاً جديداً مع الدعوات المتصاعدة لإعادة العمل بعقوبة الإعدام في تركيا والتي ألغيت في إطار تلبية شروط الانضمام إلى الاتحاد، حيث دعم أردوغان حملات شعبية للمطالبة بإعادة العقوبة ووعد أنصاره بأن الحزب الحركة والحركة القومية سيعملان على تمرير القانون في البرلمان وأنه سيوقع على القانون «دون تردد» وفي اليوم نفسه الذي يصله فيه القانون من البرلمان، وشدد على أنه لن يكترث لما تقوله أوروبا حول هذا الأمر.
ومع تصاعد الأزمة التي ترافقت مع الاستفتاء، لوح أردوغان بإجراء استفتاء شعبي آخر حول إعادة العمل بعقوبة الإعدام، والخميس، نبه الأمين العام لمجلس أوروبا إلى أن عقوبة الإعدام لا تنسجم مع عضوية هذه المؤسسة، وأن المجلس يلجأ بالطبع إلى طرد أي دولة تعيد العمل بعقوبة الإعدام.
ورداً على التهديدات الأوروبية في حال إعادة عقوبة الإعدام، قال أردوغان: «لا أهتم بما يقوله.. اهتم بما يقوله الشعب.. شعبي يطلب مني الاقتصاص للشهداء، هذا الشعب سقط له 249 شهيدا.. الإعدام موقوف الآن ويجب علينا تغيير الدستور، وإذا وافق البرلمان على عودة الإعدام سأصادق على ذلك، لأنه طلب شعبي».
وعلى الرغم من ارتفاع مستوى الحس القومي في تركيا ومشاعر العداء لأوروبا التي عززها أردوغان، إلا أن استفتاء حول إعادة الإعدام سيعني الاستفتاء على إغلاق ملف العضوية لأوروبا ولذلك لن يكون مضمون النتائج لأردوغان حسب مراقبين يرون أن الشعب التركي لن يتخلى عن حلم الانضمام إلى أوروبا بهذه السهولة.

ما بعد الاستفتاء؟

قبل نحو شهر، ومع انطلاق الحملة الانتخابية للاستفتاء حول توسيع صلاحيات أردوغان للجاليات التركية في أوروبا اشتعلت شرارة الصدام من ألمانيا التي منعت تجمعات سياسية ومؤتمرات لوزراء من الحكومة، وحذت حذوها كلاً من هولندا التي منعت دخول الوزراء الأتراك والعديد من الدول الأوروبية الأخرى في خطوة اعتبرها أردوغان والمسؤولون الأتراك حملة منظمة من قبل أوروبا للتأثير على نتائج الاستفتاء.
أردوغان الذي تسلح بالمشاعر القومية للمواطنين الأتراك شن حرباً إعلامية غير مسبوقة ضد الدول الأوروبية ووصفها بـ«العنصرية والنازية والفاشية» وبدعم المنظمات الإرهابية، وطالب قرابة 5 مليون تركي يعيشون في الخارج وخاصة في أوروبا بالتصويت بنعم «من أجل توجيه صفعة قوية لأوروبا»، وهو ما حصل بالفعل حيث صوت الأتراك بقوة لخيار «نعم» في الدول الأوروبية الرئيسية.
وعلى الرغم من أن التوقعات كانت أن تهدأ الأزمة عقب الاستفتاء، صبت النتيجة المتقاربة الزيت على نار الخلافات، لا سيما مع تشكيك المراقبين الأوروبيين بنزاهة الاستفتاء والحديث عن «فرص غير متكافئة» وهو ما أثار غضب أردوغان الذي عاد لإطلاق تصريحاته الحادة وتهديداته القديمة مطالباً أوروبا بـ«التزام حدودها مع تركيا».
ومع رفض المعارضة لنتيجة الاستفتاء ورفض طلبها لإلغاء النتائج من قبل لجنة الانتخابات المركزية، يتوقع أن يلجأ حزب الشعب الجمهوري المعارض لتقديم طلب إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وهو ما استبقه أردوغان بالتأكيد على أن المحكمة الأوروبية ليس لديها أي سلطة قانونية أو فعلية للنظر في هذه الأمور.
وفي لقاء تلفزيوني له الخميس، قال أردوغان: «الأوروبيون كانوا يتوقعون ان لا تمر التعديلات الدستورية لذلك جن جنونهم وتضايقوا كثيرا والنواب الأوروبيون كانوا يذهبون لكل مكان ليقولوا لا للتعديلات الدستورية في تركيا، ما فعلوه هو ضغط فاشي، كنت أظن أن النازية في أوروبا انتهت ولكنهم ما زالوا يمارسونها».
وأضاف: «54 عاما تجعلون تركيا تنتظر على أبواب الاتحاد الأوروبي، أنتم لستم ديمقراطيون أنتم كذابون». وتابع: «أوروبا وعدت تركيا بتقديم 3 مليارات يورو للاجئين وكانوا يتحدثون عن 3 مليارات أخرى، ووصلنا فقط 750 مليون يورو. أيضا لدينا مشكلة التأشيرات مع الاتحاد الأوروبي وهم لا يريدون حلها».
وتابع: «54 عاما، فهل ننتظر 50 سنة أخرى سنبحث عن طرق أخرى، نحن في الناتو لماذا لا نكون ضمن الاتحاد الأوروبي؟». وأكد على أنه «لا مشكلة لدينا حتى إن لم ننضم للاتحاد الأوروبي، لم تأخذوننا إلى الاتحاد الأوروبي منذ 54 عاما، ماذا حدث لنا؟ هل غرقنا؟ هل متنا؟ لا».

هل يطوي «الاستفتاء» الصفحة الأخيرة في ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؟
أردوغان يلوح باستفتائين جديدين على ملفي العضوية والإعدام وأوروبا تهدد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية