لا مفاجآت في عالم السياسة، وما من قضية سياسية إلا وأخذت وقتها وأكثر قبل أن تتبلور في صيغ جديدة تتموضع في واقع سياسي جديد، ولا غرابة في أن تخرج مصحوبة بسمات مشوهة جديدة، لا تمت بصلة لأصل يعيد الساسة بناءه وفق موازين قوى صارمة لا منطق ولا رحمة فيها.
وتأخذ هذه القاعدة السياسية أبعادا أشمل وأكثر خطورة كلما تعددت تلك العناصر المكونة لها، على غرار ما يحدث في حالة الصراع العربي- الاسرائيلي، الذي سجل مراوحة من التعرجات والتشوهات، وأدخلت عليه عنوة عناصر ومقولات غريبة رمت جميعها إلى تشويه أصل القضية الناشئة من رحم ذلك الصراع التاريخي، القضية الفلسطينية، التي شهدت في غضون عمرها المديد سلسلة من الانقلابات الجذرية على الأصل، فبعد أن كانت قضية وجود في عيون الفلسطينيين والعرب، أصبحت مجرد قضية حدود في العيون ذاتها، بينما انتقلت من حيز الحدود إلى فضاء الوجود في عيون الاسرائيليين.
الانتخابات البرلمانية الاسرائيلية الأخيرة، جاءت لتعكس جانبا من ملامح هذه الانتقالة في الفكر الصهيوني في مرحلته الراهنة، ذلك أن الأحزاب الاسرائيلية الكبرى لم تدرج الموضوع الفلسطيني في برامجها عشية هذه الانتخابات، التي بينت من جديد جنوح المجتمع الصهيوني نحو اليمين المتطرف، وقناعته بحزب الليكود بزعامة نتنياهو في سياساته تجاه الفلسطينيين، فلقد اعتبر مركز الدراسات الإسرائيلية في العاصمة الأردنية عمّان «الهدوء غير المبرر في الضفة الغربية عاملًا أساسًا في تراجع الحديث عن عملية السلام والأمن ضمن البرامج الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية العشرين». وقال المركز إن تضاؤل الاهتمام بالقضية الفلسطينية واختفاء الملف الفلسطيني من جدول أعمال المجتمع الدولي والأسرة الدولية، يعد سببًا إضافيًا لما سماه تراجعًا في المواضيع الأساسية لدى الإسرائيليين، التي قصد فيها القضية الفلسطينية وعملية السلام، ذلك أن سيطرة الجناح اليميني الإسرائيلي على الحكم لمدة تجاوزت ستة أعوام عملت على تشكيل وعي جمعيّ في المجتمع الإسرائيلي، متجه نحو تجاهل حقوق الفلسطينيين، ما انعكس على البرامج الانتخابية المختلفة.
يعكس هذا السلوك الانتخابي انعطافة كبيرة في التفكير الاسرائيلي، وينم عن رؤى جديدة تقطع مع الماضي القريب، ومع ما تمخضت عنه معاهدة أوسلو من اتفاقات حول حل الدولتين، ويعيد القضية الفلسطينية برمتها إلى مربعها الأمني والاجرائي الأول في المنظور الاسرائيلي، الذي لا تقتضي ضروراته سوى عمليات موضعية وترتيبات أمنية وسكانية وحدودية هنا وهناك، من دون الحاجة إلى الاعتراف بقضية وطنية تستعر نيرانها، على المقلب العربي الفلسطيني الآخر، الذي لم يظهر بدوره ذلك الاهتمام المعهود في الانتخابات الاسرائيلية، حين كان التعويل كبيرا على وصول هذا الحزب أو ذاك التكتل إلى سدة الحكم في الدولة العبرية.
تظهير ملامح هذا الانقلاب يتكثف في هذه المرحلة، من دون القطع مع صيروته التاريخية، التي بدأت مع قيام دولة الاحتلال وبداية تشكل القضية الفلسطينية، فبعد عملية سياسية طويلة ومضنية بكل المقاييس، ها هي البنى والهياكل والمفاهيم المنبثقة عن معاهدة أوسلو بين الفلسطينيين والاسرائيليين تتهاوى بالجملة وبالتقسيط، ولم يعد يتمسك بذيولها سوى الطرف الفلسطيني بامكانياته الواهنة، لتحل محلها مقولات وأحداث وتوجهات مفصلية جديدة سرعان ما ستجد مخرجاتها على أرض الواقع لصالح الطرف الاسرائيلي، الذي يمتلك مصادر القوة وزمام المبادرة والقدرة على توجيه دفة السفينة نحو مواقع، ربما لا تخطر على بال، لكن ملمحها الرئيسي تعبر عنه استراتيجية رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، القائمة على نفي التماثل في الصراع الفلسطيني وتقويضه قدر الإمكان، من خلال التراجع عن حل الدولتين، والبحث عن بدائل في الاتجاه المعاكس، عابرة للحدود الفلسطينية هذه المرة، الأمر الذي يميط اللثام عن الأسباب الكامنة وراء قرارات الدورة السابعة والعشرين للمجلس المركزي الفلسطيني، التي تشي بمجملها عن معطيات نوعية جديدة في العلاقة الفلسطينية الاسرائيلية تنبذ الأسس التي قامت عليها عملية أوسلو الفاشلة، وعلى رأسها الحل القائم على دولتين لشعبين.
وبذلك تكون الدولة العبرية قد دفنت أحد أهم سيناريوهات حل النزاع العربي الاسرائيلي، بعد أن استنفدت إمكانيات مواصلة توظيفه في خدمة مشروعها التوسعي، وبعد أن حصدت ما حصدت على ظهره، وشيدت ما شيدت من مستوطنات وهودت ما هودت من مدينة القدس، وسدت الطريق أمام أوهام شعار الدولة الواحدة ثنائية القومية، وهدمت الركائز النظرية والعملية للدولة الفلسطينية المستقلة، ممهدة الطريق بذلك أمام مرحلة جديدة غير مسبوقة في تاريخ هذا النزاع، في إطار سياسة الهروب إلى الأمام والتقدم على جبهة الديموغرافيا الفلسطينية، من خلال عمليات تهجير منظمة باتجاهين، الأول باتجاه الأردن بالتزامن مع إعادة الروابط الإدارية بين ما تبقى من الضفة الغربية والمملكة الهاشمية، والانسحاب من مناطق الكثافة السكانية في الضفة الغربية. والثاني باتجاه الشريط الحدودي الذي يفصل مصر عن قطاع غزة، لا سيما وأن العملية الأمنية التي يتصدى لها الجيش المصري في منطقة سيناء تفتقر للمسوغات الوطنية والقومية وتفيض عن حاجتهما.
وإذا كانت التوجهات الاسرائيلية والقرارات الفلسطينية الجديدة، قد خلت، حتى الآن، من طرح أي بدائل لعملية أوسلو، فإن ذلك لا يعني عدم توفرها في العقلية السياسية الاستراتيجية لدى صانعي القرار في الدولة العبرية، لا بل أن ذلك يعني أن تلك البدائل قد تخطت مرحلة الاعداد والمناقشة ودلفت إلى حيز التطبيق على أرض الواقع، من خلال تمظهر ملامح كيان فلسطيني بحدود مؤقتة في اطار هدنة طويلة الأمد لا تعقد، هذه المرة فقط، مع السلطلة الفلسطينية، التي أضحت بلا سلطة، كما قال رئيسها محمود عباس، بل أيضا مع حركة حماس في قطاع غزة، التي ستجد نفسها في حل من الاعتراف بالدولة العبرية في إطار وضع مؤقت لا يلزمها بذلك، بينما يوفر لإسرائيل غطاء وجيها من منظورها، في إطار قاعدة اشتباك جديدة تفيد بأن الصراع القائم بينها وبين الفلسطينيين هو صراع مع منظمة أو منظمات «ارهابية» لا يمكن حسم المعركة معها بالأساليب والشروط التقليدية المتعارف عليها، ما يعني، في المحصلة النهائية، أن رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو لم يتخل فعليا عن حل الدوليتن، بل أنه احتفظ به مستبدلا دولة بأخرى، واضعا العالم أمام أمر واقع جديد يدفع باتجاه ظهور دويلة فلسطينية في غزة قابعة بين فكي كماشة تتشاطرها القاهرة ما بعد الانقلاب، وتل أبيب بهواها اليميني المتطرف.
لكن هل يقف الفلسطينيون مكتوفي الأيدي أمام كل هذه المخاطر التي تنهال على قضيتهم الوطنية؟ لا شك بأن الدعوات إلى اعادة قراءة المشهد السياسي الفلسطيني برمته من منظور مغاير، على قاعدة الوحدة الوطنية الفلسطينية واستنباط رؤى جديدة للعلاقة مع اسرائيل وإعادة بناء الأداة السياسية الفلسطينية، متمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، وتأطير التحرك الفلسطيني في برنامج وطني مقاوم، تشكل ركائز رئيسية لا غنى عنها في هذه المواجهة المفتوحة مع دولة الاحتلال، لا سيما إذا تحلى الجانب الفلسطيني بما يكفي من الارادة السياسية لانتزاع القضية الفلسطينية من بين فكي ثنائية الحل برعاية أمريكية وإعادته إلى موطنه الأصلي في أروقة الأمم المتحدة ومجلس أمنها وجمعيتها العامة وسائر المؤسسات التي تعمل تحت رايتها، لكن الأهم من كل ذلك يقع على عاتق الانسان الفلسطيني بصيغته الفردية والجمعية، أينما كان، من خلال كسر محاولات إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني على قاعـــــدة إنتـــاج ذلك «الانسان الفلسطيني الجديد» على يد الجنرال دايتون وتوني بلير بالتنسيق مع رئيـــس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض، الذي قال إن سعي الفلسطينيين إلى الدولة يبدأ من غزة.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة