بعد مطالبات منظمات المجتمع المدني وتوصيات المؤسسة الملكية وتقدم الحكومة باقتراح إلغاء المادة 308 من قانون العقوبات ألغى البرلمان الأردني أمس مادة تنص على إعفاء المغتصب من العقوبة في حال زواجه من ضحيته وهي مادة اعتبرتها منظمات حقوق الإنسان وجزء كبير من الرأي العام الأردني جائزة للمغتصب لا تعفيه فحسب من عقوبة الجرم بل تعاقب المرأة التي تم اغتصابها بمعايشتها الإجبارية لشخص اعتدى عليها.
كان الدفاع عن المادة القانونية السابقة، وما يزال، يرتكز على الحرج الذي تتعرض له المغتصبة من البيئة الاجتماعية التي قد تحكم عليها بالعار وتحوّلها، فوق الاعتداء الذي ارتكب بحقّها، إلى ضحيّة مستمرّة يتشارك في عزلها وإقصائها من المجال العام المحيط الاجتماعي وقد يعرّضها أيضاً لعنف الأقارب الذين قد يثأر بعضهم منها مما يعتبرونه مسا لحق بشرفهم.
من ناحية أخرى فإن أغلب حالات التزويج انتهت بالطلاق بعد العذاب والاستغلال والتحقير والعنف، وعاش الأطفال الناتجون عن الاغتصاب أو الزواج القسريّ في كارثة موقوتة قوامها العلاقة بين أب مغتصب وأم مغلوبة على أمرها.
لا يتعلق الجدل الشعبي والرسمي الشديد الذي أثارته المادة باشتباكها مع أعراف وتقاليد صلبة الجذور في المجتمع الأردني، بل كذلك بتداعيات سياسية كامنة فيها، وهذه التداعيات لا تقتصر على المجتمعات العربية والإسلامية ولكنّها أشد ما تكون ظهوراً فيها.
أغلب الآراء اعتبرت ما حصل خطوة إيجابية غير مسبوقة تعطي شكلا حضاريا للإدارة والحكم والتشريع في الأردن، وتوازي المنجز الذي رفع قبل ذلك الغطاء عمن يرتكب جريمة باسم الشرف؛ حيث تقول التقارير إن نحو 25 أردنية على الأقل يقتلن سنوياً بداعي الشرف ومن دون تدقيق وأدلة وبناء على الاشتباه فقط.
هذا القانون يعتبر خطوة ايجابية لا بد أن تليها خطوات أخرى ضرورية لرفع الظلم عن المرأة، ومن أهم هذه الخطوات قضية حضانة الأطفال، ومشاركة المرأة في الولاية على أطفالها. ومن القضايا الهامة كذلك ضرورة منح زوج وابناء الأردنية الجنسية الأردنية، وانهاء معاناة عشرات العائلات التي يعاني أبناؤها بسبب عدم حصولهم على جنسية أمهم، وخلال الأعوام الأخيرة برزت هذه المشكلة بشكل لافت عندما مُنع الأطفال من أصول فلسطينية وسورية من مرافقة أمهاتهم الاردنيات إلى المملكة هربا من ظروف الحرب القاسية.
والاردن لايعتبر سباقا في هذه المسالة، فقد سبقه إلى ذلك المغرب، الذي صادق برلمانه في 9 يناير / 2104 ، على حذف الفقرة الثانية من الفصل 475 من القانون الجنائي التي تقضي بإمكانية تزويج المغتصب بالضحية للإفلات من العقاب.
ورغم اهمية إلغاء المادة 308 في رفع بعض الغبن عن المراة الأردنية يبقى ان الأخيرة ضحية منظومة قانونية واجتماعية وثقافية ودينية تتجاوز الأردن لتشمل العالم العربي. لاسيما البلدان التي تشهد اضطرابات أمنية وعسكرية افرزتها الثورات المضادة. ففي حين تأملت المرأة العربية حدوث تغيير في أوضاعها نحو مزيد من التحرر خلال الربيع العربي دفعت ثمنا مضاعفا بسبب اجهاضه وتحويله إلى حروب متناسلة. فبدأت تظهر التقارير التي تشير إلى ارتفاع نسبة الاغتصاب بوصفه أداة للصراع بين الأطراف المتحاربة.
وبين الاغتصابين الرائج في الحروب وذاك المحكوم بالاسباب الاجتماعية تظل المرأة العربية ضحية تنتظر بصيص أمل من حركة تغيير من هنا او إلغاء مادة تشريعية من هناك كان من المنطقي ألا تكون موجودة أساسا.
رأي القدس