هل يكون الأدب حلا لمواجهة قسوة الحياة ؟

حجم الخط
1

هل يكون الحل في تعاطينا للأدب؟
تعتبر ممارسة الأدب ضرورة للأدباء كما هو معلوم، بل إن الأدب بات أشبه بمخدر عند بعضهم.. كم هو جميل اقتناؤنا الاضطراري أو التلقائي للأعمال الأدبية التي من دون شك لن تكون لنا برهة من الوقت لقراءتها، أو حتى لتصفيفها على الرفوف.. وكم هو جميل أيضا هذا الاكتشاف اللامحدود لكتاب جدد والرغبة في تملك أعمال أدباء مازلنا نحبهم ونقدرهم. فالأدب بشكل عام هو حاجة حيوية يومية لعديد من الكتاب. وإذا كانت بعض عاداتنا اليومية القاتلة: كالقلق، العزلة، التدخين بشراهة، الإدمان على الكحول أو الإفراط المرضي في مشاهدة التلفاز، فإن الأدب في المقابل يبدو هو الحل الأنجع والأكثر تثقيفا لتجاوز هذه الآفات القاتلة. عندما يصير عالمنا مجنونا، بل أكثر جنونا من البشر أنفسهم الذين يسكنونه.. وعندما تجتاح الأخبار السيئة شاشاتنا وقنواتنا وترعبنا أيضا.. نشعر بحاجة ماسة إلى اللجوء إلى الكتب، إلى محتوياتها وموضوعاتها التي تشعرنا بالسكينة، سواء تعلق الأمر بكتب الروايات العاطفية التي تذكرنا بأنه مازالت هناك مشاعر إنسانية على هذه الأرض أو نلجأ إلى كتب البحوث الفلسفية لكي تذكرنا بحقيقة وكنه الإنسان، أو إلى نصوص حكائية تتعلق بالمغامرات لكي نعثر بين صفحاتها على رعشة الوجود. فالأدب في جميع الأحوال وفي جميع أشكاله وتجلياته يمكن أن يكون ذلك البديل الأفضل والبلسم اللائق لجراحات حياتنا.
وإذا كان الأدب في مفهومه الشامل مخصوصا بطبقة النخبة والطبقة الميسورة أيضا القادرة على اقتناء الكتب الجديدة وتوفير الوقت لقراءتها، فضلا عن ذلك يعتبر الأدب هو الحل الأكثر تحقيقا للسعادة للجميع وبشكل ديمقراطي فقد توصل الرومان قديما بهذا الصدد إلى تحقيق المتعة والتعلم في الوقت نفسه عن طريق الأدب.
ومما لاشك فيه، أنه في عالم مجنون يواجه الكوارث البيئية والانقلابات السياسية والحروب بين الأديان وجميع المعضلات الخطيرة، فإن الأدب بعالمه الصغير الخاص والأنقى يبدو هو الحل لكل هذه الأزمات العالمية أو على الأقل لمشاكل الإنسان اليومية.
يقينا أن الأدب لن يحقق معجزة ما، لكن في المقابل لا يمكن الاستخفاف بجمالية وسحر كلمات النصوص والسرود. إن الأدب قادر على تأكيد هذا الحل الفعال، لكن هذا الأمر يرتبط أساسا بقيمة ونوع الكتب التي نقتنيها والمفضلة لدينا للقراءة. إن الحلول كثيرة والفوائد جمة. نحن إذن قادرون على اختيار جنس أدبي ما قد يروقنا أو قصة قد تتحدث إلينا.. فباطلاعنا على مآسي شخوص القصة المتخيلين قد نستطيع تلطيف كآباتنا، بل إدراك أيضا أن ضيق حياتنا اليومية ليست أكثر بؤسا من حياة هؤلاء الشخوص في القصة. في المقابل إن الاستغراق في أعماق نص سردي متفائل ومكتوب بشكل جيد يمكننا من الرحيل ومن العثور على قوة الكلمات والمتخيل وعلى السفر كذلك مع الشخوص القادرين على منحنا الابتسامة والنظرة المتفائلة للوجود حتى في النصوص ذات النهاية المخيبة لأفق انتظارنا.
إن مسار الشخوص وإيمانهم بأحلامهم ومصائرهم، بآمالهم التي تقودهم في مسار القصة يمنحنا رؤية مغايرة وواضحة لحياتنا الشخصية، لكن يمكن أيضا توسيع أفق القراءة لدينا خارج النصوص الأدبية، فهناك من القراء من يجدون متعتهم في تصفح كتب علم النفس من أجل تدبر أغوار حياتهم النفسية، وهناك من يهتمون بالكتب الفلسفية بهدف القبض على بصيص من الحقيقة الوجودية. إن قراءة أبحاث أكبر الفلاسفة وأكبر رجالات العالم الذين بصموا عصرهم، سواء منهم مفكرو عصر النزعة الإنسانية في القرون الماضية، أو مفكرو عصر الأنوار أو المفكرون المعاصرون قد تمكننا من إيجاد حلول كثيرة لمعضلاتنا المعيشية الراهنة.. فالمؤلفات التي تتعلق بالطب التقليدي وفن العيش وعمليات التدليك وثقافة الأسفار والرحلات كلها مؤلفات باستطاعتها تحسين ظروف حياتنا اليومية، كما تمكننا كتب البيوغرافية للسياسيين الذين توجه لهم انتقادات في غالب الأحيان تمكننا هي أيضا من فهم اللعبة السياسية في وطننا. اللجوء إلى الإلمام والمثاقفة حول ثقافة الشعوب الأخرى، سواء في الماضي أو الحاضر تمكننا بدورها من توسيع آفاقنا ومن العثور على بديل وطرق أخرى للتفكير والنظر إلى الحياة على غرار ما يعيشه الهنود والبوذيون في ممارسة شعائرهم من أجل الهروب من مآسي العالم الذي يعيشون فيه. قد تتعدد وتتنوع أشكال وموضوعات قراءاتنا، لكنها دائما تتميز بالثراء والمتعة والفائدة. إن قراءة رواية «مدام بوفاري» للكاتب الفرنسي فلوبير يمكن أن تلهمنا أشياء كثيرة، كأن تجعلنا مثلا ندرك أنه بإمكاننا أن نظفر بوجود أعمق. الأمر نفسه بخصوص مسرحيات شكسبير وكتابات نيتشه أو أبحاث المفكر الفرنسي سارتر. بعض النصوص التاريخية التي تجعلنا نقف على أخطاء الماضي من أجل تجنبها في الحاضر والمستقبل.. كتب الطبخ أيضا قد نتعلم منها تجويد عاداتنا ووجباتنا اليومية في الأكل وكتب الاعتناء بالحدائق والبستنة وغيرها.. إننا طبعا لا نتحدث هنا عن كتب الأدب لكن نتحدث بشكل عام عن فائدة الكتب في حياتنا اليومية. الشغب اللامحدود عند بعض القراء المهووسين باقتناء الإصدارات الأدبية الجديدة… القراء عشاق الكتب قد يكون هوسهم هذا هو هدفهم الوحيد في الحياة والوجود ككل. إنه شغب لا محدود مادامت مئات الكتب تصدر كل يوم، ومادامت هناك كتب كلاسيكية يمكن أن تكتشف من جديد ومخطوطات نادرة ومجهولة وأعمال أدبية غير تامة لأشهر المؤلفين المشاكسين.
هناك إذن الآلاف من الإصدارات تخرج إلى الوجود كل سنة.. تمثل عوالم جديدة للاستكشاف.. عوالم جديدة للسفر.. تمثل شكلا جديدا وجميلا للترحال والهروب من الحياة على الأرض بل الحياة في هذه (الحفرة) إنها شكل جديد لمعانقة السعادة.
هكذا إذن يكون الأدب حلا لحياة يومية مبتذلة لا تكف عن الجري بنا بسرعة والتي ليس لدينا الوقت لتذوقها، كما يجب علينا من جانب آخر التغلب على الروتين المرتبط بعلاقاتنا اليومية بالترامواي، بالعمل، بالنوم.. هذه العادات التي تصير مثل شعارنا اليومي في العيش بل تصير أحيانا مثل شبح مرعب يطارد جل الناس لكن في المقابل علينا ألا نجعل منها قدرا حتميا في حياتنا، وعلينا أخيرا أن نملك الوعي اليقظ للهروب من عالمنا الضيق الخانق لاكتشاف آفاق جديدة .وهذا لن يتحقق إلا في عالم الأدب الأرحب. أخيرا ليس من الضروري أن نبذر أموالنا في السفر إلى جزر الباهاماس، بل من المؤكد أننا نملك قوة وقدرة خاصتين لدى كل واحد منا تتطور وتنمو بموازاة مع وجودنا المحموم.. إن الخيال مشفوعا بالحقيقة قد نحقق به المعجزات. وقدراتنا الخارقة على التيه والترحال الإيجابيين قادرة على السفر الجميل بنا حيث نريد، كما أن كلا من الواقع اليومي أو العالم الفانتاستيكي الغرائبي بإمكانهما أن يجعلانا نفكر ونحلم أيضا بإمكاناتنا الإنسانية. إن أسوأ حياة هي حياة الأشخاص الذين لا يملكون القدرة على ركوب المتخيل. أوفيليه كورادو Ophélie URADO كاتبة فرنسية من جامعة بورغون حاصلة على شهادة عليا في الآداب العصرية التطبيقية وخبرة في مهن صناعة الكتاب.

٭ رئيسة تحرير الموقع الإلكـ؟ــتروني (الجريدة الأدبية
LE JOURNAL ) والمجلة الأدبية الشـــهرية (الركن الأدبي)

هل يكون الأدب حلا لمواجهة قسوة الحياة ؟

كتبت : أوفيليه كورادو… ترجمة: عبده حقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية