هل يمكن تفادي تفتيت العراق… وكيف؟

حجم الخط
1

العراق في خطر. ليس وحدته السياسية فحسب، بل وجوده أيضاً. أحدُ قيادييه العروبيين قال إن ما يتهدده ليس التقسيم، بل التفتيت. فالتقسيم ينال من وحدة الدولة بينما التفتيت ينال من وحدة المجتمع والدولة معاً.
ظاهر الحال يوحي بأن ثمة دولة اتحادية تقودها حكومة مركزية في بغداد. واقع الحال أن الدولة تفككت إلى:
٭ إقليم بحكم ذاتي، شبه مستقل، في الشمال حيث غالبية السكان من الأكراد.
٭ محافظات في الغرب، يرزح بعضها كمحافظتيّ نينوى (الموصل) والأنبار تحت نير «داعش».
٭ محافظات في الوسط والجنوب تعيش في فوضى واضطراب أمني متواصلين، حيث سلطة الحكومة الاتحادية هشّة، رخوة أو متراخية.
أخطرُ مرضٍ يضرب المجتمع العراقي، روحاً وجسماً، هو المذهبية. قبل الاحتلال الأمريكي عام 2003، كان ثمة استبداد وقمع، لكن الوحدة الوطنية كانت سائدة وروح العروبة نابضة. بعد الاحتلال، انهارت الدولة فاندلعت العصبيات القبلية والطائفية، خصوصاً عقب حلّ الجيش العراقي وتسريح ضباطه واضطهادهم. الجيش في البلد ذي الطابع التعددي هو العمود الفقري للدولة والمجتمع. كسر الجيش يؤدي إلى كسر الدولة والمجتمع معاً. هذا ما حدث ويحدث في العراق مع الاحتلال الأمريكي وبعده. بات واضحاً أن حلّ الجيش لم يكن تدبيراً أمنياً ظرفياً، بل كان جزءاً من مخطط استراتيجي سرعان ما تكشّف عن اقتراح قدّمه السيناتور جو بايدن (الذي أصبح لاحقاً نائباً للرئيس باراك أوباما) للكونغرس الأمريكي يدعو لتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم وبالتالي إلى ثلاث دول.
وتيرة الاحداث، وهي في معظمها مدبّرة، صبّت في مجرى التفكيك والتفتيت. ففي عام 2006، جرى تفجير مرقديّ الإمامين حسن العسكري وعلي الهادي في سامراء. في عام 2007، وافق الكونغرس على اقتراح بايدن التقسيمي. في السنوات اللاحقة تصدّعت باطّراد العلاقات بين حكومة بغداد وحكومة إقليم كردستان العراق حتى بلغت حدّ القطيعة بسبب عائدات النفط، ما أدى إلى وقف تسديد استحقاقات الإقليم في الميزانية، رداً على امتناع حكومته عن دفع ما يتوجب عليها للحكومة الاتحادية. في عام 2014، احتل «داعش» الموصل ومحافظة الأنبار ومعظم محافظة صلاح الدين وهدد أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق. وفي عام 2015، تدخلت تركيا بقوة عسكرية برية مدعومة بكتيبة دبابات اتخذت مواقع لها في منطقة بعشيقة، شمال الموصل، بعمق 30 كيلومتراً بدعوى تدريب قوات «البيشمركة» الكردية لمواجهة «داعش».
استغلت واشنطن هذه التطورات باستدراج بعض قادة عشائر الأنبار وإغرائهم ببناء «حرس وطني» من ابناء المحافظات الغربية ذات الطابع السنّي الغالب وتدريبه وتسليحه بدعوى «حمايتها» من «داعش» ومن ابناء المحافظات الأخرى ذات الطابع الشيعي الغالب. في هذا السياق، استغلت واشنطن بعض التجاوزات التي ارتكبها أفراد أو مجموعات من «الحشد الشعبي» اثناء تحرير مدينة تكريت من «داعش» فجرى تضخيمها لتأليب اهل السنّة على «الحشد الشعبي» ذي الغالبية الشيعية. إذ يرفض بعض قادة العشائر في محافظتيّ الأنبار وصلاح الدين، بتحريض من واشنطن، مشاركة «الحشد الشعبي» في معركة تحرير الرمادي وغيرها من المناطق التي يسيطر عليها «داعش»، تُحجم الحكومة الاتحادية برئاسة حيدر العبادي عن القيام بأي تدبير جذري لتوحيد صفوف العراقيين، مسؤولين ومواطنين، ولإحباط المخطط التقسيمي بوجوهه الامريكية والتركية والداعشية.
في حمأة هذه التطورات ذات الطابع التفتيتي، كشفت موسكو للعراقيين وللعالم ترتيبات يجري إعدادها لعقد مؤتمر للاحزاب والهيئات السياسية الكردية المؤيدة لرئيس اقليم كردستان العراق مسعود برزاني بغية تدارس مسألة اعلان استقلال الاقليم. تضمّن تقرير موسكو المسرّب إلى المسؤولين العراقيين معلومات حول دعم انقرة ودولة خليجية، كما واشنطن بطبيعة الحال، لإقامة اقليم سنّي موازٍ في محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار، على أن يدعم برزاني و»دولته « المستقلة إقامة الأقليم السنّي الموعود.
إزاء تواتر الأحداث المقلقة وتزايد التحركات الآيلة إلى التفتيت والتقسيم، ينهض سؤال ضاغط: ما العمل؟
يقتضي الانطلاق في الاجابة والمعالجة من حقيقة بازغة مفادها أن المجتمع السياسي العراقي منقسم على نفسه، وأن الانقسام لا يعصف بقطاع من اهل السنّة فحسب، بل يتناول أيضاً قطاعاً كبيراً من أهل الشيعة في السلطة، يحبّذ جهاراً الانفراد بحكم العراق بعيداً من اهل السنّة في محافظاته الغربية. يزداد الامر تعقيداً بغلبة الطابع الشيعي على فصائل «الحشد الشعبي» المتمسكة بوحدة العراق والمناهضة للتدخلات الأجنبية، ولاسيما الامريكية والتركية، والناشطة في مقاومة الإرهاب التكفيري وفي مقدّمه تنظيم «داعش».
لعل المخرج من هذه المحنة هو في الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني جامع للقوى الحية، بمبادرة من قوى وشخصيات قومية عراقية وعربية، للتوافق على اطلاق مشروع للإنقاذ والنهوض والبناء قوامه:
(أ) ميثاق وطني للتحرير والتوحيد والإصلاح السياسي والدستوري والاقتصادي باتجاه بناء دولة مدنية ديمقراطية على اسس الحرية وحكم القانون والعدالة والتنمية.
(ب) بناء جبهة شعبية للمقاومة والتحرير، عابرة للطوائف والمناطق، ملتزمة الحياد بين المراجع والمؤسسات الدينية، مستقلة عن أي ارتباط بقوى خارجية معادية لوحدة العراق ومناوئة لقضايا الأمة، ولا سيما قضية فلسطين، او متواطئة مع اسرائيل العنصرية والإرهاب التكفيري.
(جـ) إعادة بناء الجيش العراقي على أساس وطني جامع وعقيدة قتالية متكاملة لمواجهة اعداء وحدة العراق واعداء وحدة الأمة وحقها في الحرية والكرامة والعدالة والتقدم.
(د) النأي بالنفس عن جماعة المشاركين، قديماً وحديثاً، في ما يسمى «العملية السياسية»، وملاحقة المشاركين في الفساد ونهب المال العام منذ الاحتلال الأمريكي حتى الوقت الحاضر، وإقامة تحالف وثيق مع قوى المقاومة في سوريا ولبنان وفلسطين، والتعاون مع قوى التحرر والديمقراطية في عالم العرب، والانفتاح على مصر ودعمها في سعيها لاستعادة دورها العربي والاقليمي والتحرر من هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها. التحديات جمّة، والاعداء كثر. لكن الإرادة الوطنية والمقاومة الميدانية كفيلة بوضع العراق على مسار الإنقاذ والنهوض والبناء.

٭ كاتب لبناني

د. عصام نعمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية