إسطنبول ـ «القدس العربي»:عقب العقوبات والحصار الذي فرضته عدد من الدول العربية على قطر ومع تصاعد الخلافات بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والغرب، تساءل الكثيرون عن مدى إمكانية تكرار هذا السيناريو مع تركيا وفرض حصار عليها؟ كما برز تساؤل آخر يقول: «هل بالفعل لم تعد تهديدات الغرب تُخيف تركيا وأردوغان، ولماذا؟».
من وجهة نظر الرئيس التركي فإن «حقبة خضوع تركيا لكل مطلب غربي قد ولت ولم تعد موجودة». وبعد أن شدد على أن «التهديدات لا تخيف تركيا» وأن بلاده لا يمكن حصارها، قال: «إذا كنتم تعتقدون أن بوسعكم إخافة تركيا بتهديدات الحصار -الاقتصادي- فينبغي أن تعلموا أولا أنكم ستدفعون ثمنا أكبر».
وتمر العلاقات التركية مع الغرب بشكل عام بتوتر وتراجع كبير منذ سنوات تزايد مع المشاكل التي شهدها الاستفتاء الأخيرة على النظام الرئاسي في تركيا ويتوقع أن تتصاعد الخلافات بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة لا سيما مع تأكيد تركيا – شبه اتمام- صفقة شراء منظومة صواريخ اس400 الدفاعية من روسيا وهو ما يرفضه الغرب بقوة ويرى فيه حسب محللين «تهديداً».
ويُجمع محللون على أن تركيا ذات المساحة الجغرافية الضخمة والتي تمتلك حدوداً مع عدد كبير من الدول المتنوعة في توجهاتها السياسية والإستراتيجية مع الغرب وتطل بحدود هائلة على ثلاثة بحار لا يمكن حصارها أبداً «إلا إذا تآمر الكون أجمع عليها» يقول أحدهم.
وإلى جانب الحدود مع اليونان وبلغاريا وأرمينيا المولية للغرب بشكل أكبر، تمتلك تركيا 900 كيلومتر متر حدود مع سوريا و320 كيلومترا مع العراق، وحدود واسعة مع إيران ومئات آلاف الكيلومترات على البحر الأسود المفتوح على روسيا، إلى جانب بحر مرمرة والبحر الأبيض وغيرها من الأفق الذي تجعل من فكرة الحصار بمعناه التقليدي «محض خيال وأحلام يقظة» حسب أحد الكتاب الأتراك.
في المقابل، ومع صعوبة الحديث عن حصار تقليدي، يجري الحديث عن «حصار سياسي واقتصادي» يمكن أن يلجأ له الغرب في حال تصاعد الخلافات مع أردوغان بسبب تقاربه المتزايد مع روسيا وانتقاداته اللاذعة شبه اليومية لأوروبا.
ويرى مراقبون أن العلاقات بين تركيا وأوروبا وصلت منذ سنوات إلى الحد الأدنى الذي لا يفكر الجانبان في التخلي عنه إلا في حال وقعت أحداث كبرى تجبر أحد الطرفين على اتخاذ خطوات استثنائية والتضحية بمستوى المصالح المشتركة القائمة بينهما حالياً.
ففيما يتعلق بملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، باتت أنقرة متيقنة أن الاتحاد لن يضمها ولم يعد لديها الحماس السابق في هذا الاتجاه، وبالتالي فإن التهديد الأوروبي لتركيا بتجميد ملف انضمامها لم يعد يخيف أنقرة التي تعلم أنه لن يتم تجميد الملف لكي لا تتوجه أكثر نحو روسيا، وتعلم في الوقت ذاته أن ملف الانضمام لن يتقدم أكثر، وهي بالتالي تسعى للاستفادة من بعض المميزات المالية والاتفاقيات الاقتصادية التي تخدمها في هذا الإطار ولا تتوقع أكثر من ذلك.
وفيما يتعلق باتفاقية اللاجئين بين الجانبين، يتضح من سياق التطورات خلال الأشهر الماضية أن الملف بات مبنياً على المصالح المشتركة، وأن الاتحاد الأوروبي لن يوقف الاتفاقية كي لا تنفجر في وجهه موجة لجوء ربما تحمل معها مئات آلاف اللاجئين الجدد، وفي المقابل أنقرة باتت غير معنية بنسف الاتفاقية لكي تستمر في الاستفادة من المميزات المالية التي تساعدها في تحمل أعباء اللاجئين على أراضيها، ولكي لا تخسر ورقة مستمرة في وجه الاتحاد.
وعلى الصعيد السياسي العام، فإن الغرب ممثلاً في حلف شمال الأطلسي «الناتو» يخشى فعلياً التقارب الروسي التركي الذي تمثل مؤخراً بصفقة منظومة «اس 400» فالأمر هنا غير متعلق بعقوبات يمكن أن يلجأ لها الحلف ضد أنقرة، فالحديث عن أي عقوبات يعني دفع أردوغان لمزيد من التقارب مع بوتين وأن يصل النفوذ الروسي لدولة إستراتيجية للناتو تعتبر بوابته على الشرق والبحر الأبيض المتوسط والأهم مضيق البوسفور.
ويبدو أن أردوغان بخطواته التي توصف في تركيا بـ»الجريئة» يسعى لكسر المعادلة السابقة بقوله إن تركيا القديمة غير موجودة، حيث يقول الأتراك إن بلادهم بقيت لعشرات السنوات ملتزمة بتقاربها مع الغرب والناتو الذي واصل تهميشها وعدم دعمها سياسياً وعسكرياً، لكن سياسة أردوغان الحالية مبنية على قاعدة جديدة تتمثل في أنه «لا يوجد تحالف مجاني وما ترفضون منحنا إياه نحصل عليه من غيركم والبدائل لدينا موجودة» وهو ما يجعل كثير من التهديدات الغربية لتركيا فارغة المضمون حسب كثيرين.
اقتصادياً، وعلى الرغم من الحديث المتزايد عن تقارب تركيا مع الشرق وخاصة دول الخليج وتصوير الأمر على أن الاقتصاد التركي بات يعتمد على هذه الدول بشكل كبير، تُظهر الأرقام والإحصائيات الرسمية أن الدول الأوروبية ما زالت في المراتب الأولى من حيث حجم التبادل التجاري والاستثمارات والسياحة وأن الدول العربية تحتل مراتب متأخرة في هذا الترتيب.
ويرى اقتصاديون أن هذه الأرقام ليست محل تهديد من قبل أوروبا، كون تركيا تعتبر سوقا مهما لمعظم الدول الأوروبية وعلى سبيل المثال، تصدر تركيا إلى ألمانيا منتجات بقرابة 12 مليار يورو سنوياً، ولكن في المقابل تستورد منها بما يقارب 25 مليار يورو، وهو ما ينسحب على معظم الدول الأوروبية التي تستورد منها تركيا أكثر ما تصدره إليها ما يجعل الضرر أكبر على الدول التي تفكر في فرض عقوبات اقتصادية على تركيا.
وقال أردوغان رداً على تهديدات ألمانيا بفرض عقوبات اقتصادية على بلاده «تركيا لم تعد محصورة في خيار واحد ولا يقوم اقتصادها على دولة معينة، نرحب بكل المستثمرين ونوفر لهم الأجواء الإيجابية لكن لن نسمح ان تتحول لأداة للابتزاز، وتركيا بلد مهم للاستثمار وإذا خرج مستثمر يأتي غيره».
إسماعيل جمال