هل يمكن لـ«معجزة» بوتين أن تتحقق؟

حجم الخط
43

ضمن زحمة تحرّكات دولية كبيرة في أروقة الأمم المتحدة ستتسلّط الأضواء بالضرورة على لقاء الرئيسين الأمريكي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين اليوم.
في كواليس هذا اللقاء من المهم متابعة أخبار اللقاءات والاجتماعات الأخرى في نيويورك وملاحظة معانيها على ضوء ما يحصل في منطقتنا العربية، وأولها أن أوباما لن يقابل نظيره الإيراني حسن روحاني، لكن وزير خارجيته جون كيري سيلتقي محمد جواد ظريف وزير خارجية روحاني (وهذا يعني أن كيمياء السياسات الخارجية الأمريكية ـ الإيرانية لم تنتج بعد المزيج البروتوكولي للقاء الرئيسين بعد). بالتوازي مع ذلك، ولتأكيد بروتوكولات الحظوة الشكلية لـ»حلفاء واشنطن العرب»، سيلتقي كيري طبعا بوزير الخارجية السعودي عادل الجبير.
في المقابل فقد ألغي، أو لم يتحقق، لقاء كان يجري بحثه بين الجبير وظريف لأن الجانب الإيراني، بحسب وسائل الإعلام السعودية، لم يطلب اللقاء «بالطريقة المتعارف عليها»، وقد فهم الجانب السعودي أن اللقاء سيكون تقريعاً للمملكة فيما يخصّ وقوع عدد كبير من الحجاج الإيرانيين صرعى الحادث المأساوي في منى… فتم رفضه.
التدخّل العسكري الروسي في سوريا سيكون أهم «قضايا الحوار» في أغلب هذه الاجتماعات، والأغلب أن ترن كلمة «الحوار» بشكل موسيقيّ في أذنيّ الرئيس الروسيّ الذي غيّرت نقلته العسكرية في سوريا توازنات القوى على الأرض وفرضت بالتالي تغيّرات سياسية ملحوظة أهمّها إقرار واشنطن، ومن ثم سلسلة طويلة من عواصم القرار الغربي، ببقاء بشار الأسد رئيساً لسوريا «خلال المرحلة الانتقالية».
الروس بهذا المعنى «تحاوروا» سلفاً مع واشنطن وحلفائها الأوروبيين وسحبوا منهم تنازلاً مهماً يتعلّق بمصير الأسد، فيما ستنصب باقي مجريات الحوار على تفاصيل تشكيل «الحكومة الانتقالية»، ودور الأسد التنفيذي، وكيفية بنائها وصولاً إلى انحلالها وتشكل حكومة سورية موحدة.
ما تريده روسيا بوضوح أن يستمرّ نظام بشار الأسد ولكن بصيغة مخففة تلقى قبولا أكثر، كما أن الكرملين يرغب حكماً في أن تضم الحكومة الانتقالية السورية تنويعة ممن تسميهم «المعارضين المعتدلين» للرئيس السوري على غرار الوزير السوري السابق المقرب من الكرملين قدري جميل، ووزير المصالحة الوطنية علي حيدر الذي لا يقل مزايدة، أحياناً، عن عتاة الموالين للنظام، ولا بد أن جاذبية السلطة ستغري معارضين من خارج السرب الأليف للانضمام، وهو الأمر الذي اشتغلت عليه موسكو مؤخرا، وفعلت مصر ما يشبهه في اجتماعات استضافتها لشخصيات معارضة سورية خالية من جماعة «الإخوان المسلمين»، كما اشتغل عليه معارضون سوريون معروفون بموالاة الجبهة الروسية ـ الإيرانية ومناكفة «الائتلاف» السوري المعارض، والفصائل السورية المسلحة عموماً.
وتأتي مسارعة الدول الغربية، كما فعلت فرنسا أمس، إلى قصف مواقع لتنظيم «الدولة الإسلامية» في دير الزور السورية، إضافة إلى تراجع عامّ في الدعوة لتنحّي الأسد، لتثبّت أكثر من المواقف الروسية على الأرض.
السؤال الآن يتركز حول إن كان هذا التوافق الحماسيّ العامّ لتلزيم روسيا بالشأنين السياسي والعسكري السوريين سيؤدّي حقاً إلى حل سياسي في سوريا قابل للحياة وبالتالي تحقق «معجزة بوتين» التي تحدّث عنها وزير الخارجية السوري وليد المعلم بعد طرح الروس اقتراحهم لتشكيل ائتلاف دولي لمكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية» يضم تركيا والسعودية وقطر وإيران وروسيا وأمريكا وأوروبا (وإسرائيل… و»حزب الله» في الخلفية طبعاً).
الأغلب في رأينا أن هذا التحالف الإعجازي غير قابل للاستمرار على المدى الطويل، والسبب لفشله هو نفسه سبب الحماس المفتعل لإنجاحه وهو القبضة الحديدية الروسية المتعاظمة على سوريا، التي تجعل من قواتها الموجودة هناك قوات احتلال مهمتها تشبه ما حاول الأسد وحليفته إيران فعله على مدى سنوات: إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء.
ما سيقوّض «المعجزة البوتينية» أيضاً هو التجميع الإجباري لفرقاء مختلفين اختلافاً وجودياً، فالأتراك لا يمكن أن يقبلوا التحالف مع «حزب العمال الكردستاني» و»وحداته الشعبية» في سوريا، والسعوديون لا يمكن أن يتحالفوا مع إيران الخ…
المعجزة الوحيدة التي قد تعطي طوق نجاة زمني أطول للسيناريو الروسي ـ الأمريكي هي لجوء الأسد (كما فعل ملايين السوريين هرباً من يأسهم من التغيير) إلى الخارج وعودة أولئك النازحين إلى بلدهم، وهذان أمران لا يبدو أن موسكو تفكر فيهما الآن.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية