في نهاية تسعينيات القرن الماضي، قدم الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي عنان، خطة إصلاحية للمنظمة، تشمل مسارين: الأول يهدف للنهوض بعملها الإداري وتجاوز الترهل وشلل القرار الذي وصلت إليه، والآخر تنظيمي لدعم مقدراتها المتعلقة بالاحتياجات المتزايدة والاستجابة السريعة للمجريات.
طُرحت الخطة عقب عدة ارتباكات إدارية وسياسية داخل المنظمة، تجلت في غياب التعاون بين الدول الأعضاء وتباين النهج لحل الأزمات والصراعات الدولية وفقًا لمصالح أعضائها الأحادية على حساب المصالح الدولية المشتركة؛ بالإضافة إلى ما أسهم به وجود فيتو «الخمسة الكبار» في إحباط كثير من القرارات باستخدام حق النقض، أو بمجرد التلويح به أحيانًا. لذا كان الإصلاح لزامًا للوفاء بما آل به الموقعون على ميثاقها على أنفسهم.
كان من المأمول أن ترتقي الخطة بالعمل الأممي بمختلف أوجهه، سواء المتعلقة بالأمن والسلامة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية وحقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية، لكن ذلك لم يحصل إلا بشكل طفيف لم يلبِ تطلعات عنان، الدبلوماسي المحنك.
واستمر تأخر إصدار القرارات، ناهيك عن الافتقار إلى تنفيذ ما يصدر عنها، حتى أمسى ذلك الطابع العام لعملها؛ ما تسبب بتصاعد العنف وتفشي الحروب واستدامتها من جهة، بالتوازي مع تقلص الدور الأممي من جهة أخرى إلى مكافحة الأعراض ومحاولة التقليل منها بدل اجتثاث الكوارث من جذورها.
لم يأت مطلع القرن الواحد والعشرين بجديد يخرج الأمم المتحدة من حالة الجمود والشلل التي تسودها؛ فأمام كارثة وصفت مرارًا بالأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية، يظهر العجز الأممي في قائمة قرارات أممية صدرت، وأخرى حال الفيتو دون إقرارها، إضافة إلى مقترح النقاط الست التي قدمها الدبلوماسي المحنك، بوصفه مبعوثًا أمميًا إلى سوريا هذه المرة، وفي مبادرات خلفائه المستمرة.
بارقة الأمل أطلت بما تضمنه قرار الجمعية العمومية 262/67 عام 2013، حين رحبت 107 أصوات، مقابل معارضة 12 وامتناع 59، بإنشاء الائتلاف الوطني للمعارضة السورية، بوصفه «محاورا فعليا يتمتع بصفة تمثيلية ضرورية لعملية انتقال سياسي». وكان ذلك الترحيب قد أعقب اعتراف جامعة
الدول العربية أواخر عام 2012 بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة
على أنه الممثل الشرعي للثورة السورية. لكن ما لبثت تلك البارقة أن بدأت بالخفوت مع تمادي نظام الأسد في وحشيته بمختلف أشكالها، قصفا واعتقالًا
وتعذيبا وتضليلا للحقائق، في ظل غياب رادع دولي على الأرض، يتجاوز مشاعر الامتعاض وعبارات الإدانة ـ وها هو مقعد سوريا ما يزال شاغرا في القمم العربية.
وعلى الرغم من الأقنعة الإنسانية التي ألبست لكل المصالحات المحلية التي
أطلقتها الأمم المتحدة، لم يكن طمس حقيقة ماهيتها ممكنًا، فهي ومنذ أول اتفاق
لم تكن سوى إذعان يرغم المحــــاصرين على توقيعــه، ومنذ الحديث عن تلك المصالحات إبان جنيف2، اكتفت الأمم المتحدة بلعب دور الوسيط ملتفة على بذل جهود كافية للاضطلاع بمهامها الرئيسية في الدول التي تشهد نزاعات، مثل سوريا.
على صعيد آخر تعاني الأمم المتحدة نفسها مِن تضارب الصلاحيات ما بين مكتب دمشق ومكتب المبعوث الأممي، الأمر الذي يقحم على المشهد قضية تسييس الاتفاقات وتسييس قوافل الإغاثة الإنسانية. ويبرز السؤال: هل تورطت الأمم المتحدة في مخطط التغيير الديموغرافي الذي يضطلع به النظام وحلفاؤه منذ بداية الثورة؟ نعم بكل تأكيد، ليس أوله اتفاق حمص القديمة ولا آخره اتفاق الترانسفير مضايا، الزبداني/ كفريا، الفوعة.
وفي كل اتفاق من هذه، كانت الأمم المتحدة وسيطا مباشرا تارة أو غير مباشر تارة أخرى، لينتج عن اتفاقاتها سلب الأراضي المحررة ووضعها في يد النظام، وإجلاء السكان المدنيين وإجبارهم على مغادرة منازلهم، مقابل السماح بإغاثتهم حيث سينزحون؛ ناهيك عن ذلك، ألم تزوّر فرق الأمم المتحدة في دمشق تقارير توصف أوضاع المناطق المحاصرة، إذ عكفت على توصيفها بمناطق يصعب الوصول إليها، في حين يموت المدنيون فيها جراء التضور جوعا، أو نقص الأدوية، والحرمان من كافة الحقوق الإنسانية.
إن أزمة عمل الأمم المتحدة في سورية غاية في التراكمية والتعقيد، من حيث
الأدوار المشبوهة في المصالحات، التي تنقض فيها كل مواثيق حقوق الإنسان، عدا عن تزوير التقارير عن المناطق المحاصرة، إذ تتملق المكاتب الأممية في دمشق نظام الأسد وأجهزته الاستخباراتية ـ بإقرار موظفين سابقين فيها ـ وسط غياب تقييم جدي أو محاسبة للمكاتب المحلية والإقليمية، لربمّا تبرره عطالة المجتمع الدولي ومماطلته بالوفاء بمسؤولياته حتى الإنسانية منها.
تبقى هذه إحدى أذرع المشكلة التي ربما سيكشف المستقبل أبعادا أخرى لها. أيًا كان، فإن مأساة المناطق المحاصرة ليست مجرد حالة إنسانية، ففي كل اتفاق مصالحة محلية أبعاد سياسية وميدانية وإسفين جديد تدقه الأمم المتحدة بشراكة مع النظام في نعش السلام والوطن الحر الذي يتوق إليه السوريون.
مليارات الدولارات، وآلاف الساعات، وكم كبير من الجهود يبذل عبر الأذرع
التنفيذية للأمم المتحدة، بلا شك، وعلى مستويات مختلفة ومناطق جغرافية عدة، ولكن كل ذلك في سبيل تخفيف آثار العجز والتباطؤ في ما يقع على عاتق الأمم المتحدة الاضطلاع به، من تنفيذ للقرارات المفضية فعليا إلى حل الأزمات والصراعات، ما يبدد الجهود الدولية في تشذيب نبات خبيث ضار في حقل زراعي، بدلًا عن اجتثاثه من جذوره.
المطلوب اليوم من الأمم المتحدة، كمؤسسة ترفع شعار رعاية السلام والأمن الدوليين، ومن مختلف مؤسساتها وبرامجها وكبار موظفيها، المعنيين بالشأن السوري وبأي شأن غيره على المستوى الدولي، أن يوجهوا جهودهم نحو تنفيذ القرارات الصادرة بأسرع وقت ممكن، ليتاح للجهود أن تصب لاجتثاث الجذور لا تقليم الفروع، فالجعجعة لا تغني عن الطحين.
٭ الأمين العام للائتلاف السوري
عبد الإله فهد