أقصد بـ«الأدب العمالي» مختلف أجناس التعبير الكتابية والشفاهية الأدبية (شعرا ـ قصة قصيرة ـ رواية ـ زجلا) التي جعلت من قضايا وهموم الطبقة العاملة والشغيلة موضوعا لها وثيمتها المحورية، بهدف رسم صورة عن واقعها اليومي، وعرق كفاحها المضني ودعمها رمزيا ومعنويا، لكسب قوتها وتحقيق كرامة معيشها .
تعود هذه العلاقة بين الأدب والنضال العمالي، التي أسست بتراكمها الأنطولوجي ما بات يعرف بـ»الأدب العمالي» إلى القرن التاسع عشر، الذي عرف بداية الثورة
الصناعية، وتعاظم دور الرأسمال الاستثماري في الهيمنة على مختلف البنيات التحتية ووسائل الإنتاج (رأسمال ـ يد عاملة ـ معادن ..إلخ) خصوصا في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية ، ما أفرز طبقة عاملة سوف تعرف مع مرور الزمن وتطور العلاقة بين أطراف الإنتاج لخدمة المصالح الإمبريالية، على حساب متاعب العمال، سوف تعرف أسماء أخرى من بينها (الطبقة الكادحة ـ الطبقة المسحوقة ـ الطبقة المقهورة ..إلخ ) وغيرها من اليافطـــــات الهوياتية الخاصة بتجربة كل بلد في هذا الإطار.
ارتبط الأدب العمالي بهموم هذه الطبقة، التي ينهض على كاهلها «فائض القيمة»، وبالتالي المزيد من التراكم الجشع للرأسمال، مثلما ارتبط بقضايا إنسانية محلية وكونية أخرى، ومن أشهر الأعمال الروائية التي رصدت نضال العمال، نجد رواية «جيرمينال» للكاتب الفرنسي إيميل زولا التي نشرها سنة 1885 وكان كاتبا ذا نزعة اشتراكية وتقدمية، وروايته «جيرمنال» هي رواية النضال من أجل مستقبل الطبقة العاملة في المناجم الفرنسية، استطاع من خلالها الحفر بإزميل قلمه في باطن عتمة المنجم، للوصول إلى ضوء الكرامة والإقرار بحقوق العمال، سواء كانوا تحت الأرض أو فوقها .
لا يمكن الحديث في المغرب عن (أدب عمالي) في هذه المرحلة (الجيرمنالية) ولا حتى خلال الاستعمار وبداية الاستقلال، بل يمكن أن نتحدث بالأحرى في هذه الفترة عن (أدب قروي) اهتم فيه المنجز القصصي والروائي على ندرته بهموم الإنسان البدوي وصراعه مع إكراهات الطبيعة والمناخ وسطوة المستعمر، ولم يعرف إرهاصات وبوادر (أدب عمالي) مرتبط بالمدينة، إلا مع تطور الكتابة القصصية والروائية منذ أواسط الستينيات مع صعود جيل جديد من الكتاب، راهن على تحديث المتن السردي القصصي، بعد أن نهل وتفاعل مع إبداعات أقطاب الأدب العالمي (تشيخوف وغوغول وموباسان ويوسف إدريس ونجيب محفوظ وياسين رفاعية ..إلخ ) خلفا لجيل الرواد (القطيب التناني وعبد المجيد بنجلون وعبدالكريم غلاب ومحمد العربي الخطابي ومحمد بيدي وابراهيم بوعلو ..إلخ ) هذا الجيل الذي ارتبط انشغاله في أعماله القصصية أساسا بالنضال من أجل تحرير المغرب من الاستعمار الفرنسي، والدفاع عن مقدساته الروحية والسياسية .لكن بعد الاستقلال وانقضاض طبقة بورجوازية (أمية) على كل بنيات الإنتاج، من معامل ومصانع وضيعات فلاحية عصرية، وتعاظم هوسها المتخلف بمراكمة الرساميل بدل التفكير العقلاني في تحديث وسائل الإنتاج، كل ذلك أثر سلبا على الوضع المادي والاعتباري للطبقة العاملة، مقارنة مع وضعها السابق أيام الاستعمار الفرنسي، حيث كانت على الأقل تحظى وتتمتع ببعض حقوقها الأساسية، تحت ضغط الحزب الاشتراكي الشيوعي الفرنسي والقوى التقدمية. كل هذه العوامل أدت إلى تغيير في التركيبة السوسيوثقافية المغربية، بدأت تتسع معها هوامش المدن الكبرى بسبب استنبات أحياء دور الصفيح والسكن العشوائي القريبة من المعامل والمصانع، لتزويدها باليد العاملة الرخيصة، التي هاجرت جلها من البوادي والقرى المحيطة بالمدينة (الميتروبول) الصاعدة… هكذا ظهرت في الأدبيات النضالية المغربية ما يسمى بالطبقة العاملة والطبقة الكادحة والطبقة المسحوقة والطبقة المقهورة.. إلخ وباتت همومها ومعاناتها القاسية اليومية في طاحونة المعمل، من بين أجندات النقابات العمالية والهيئات الحزبية والمنظمات الحقوقية، وبالتالي يمكن اعتبار فعاليات المجتمع المدني هاته هي المدخل الأساسي في نسج العلاقة بين (الأديب) و(العامل) ما أسهم في خلق (أدب عمالي) حيث أن معظم الكتاب والمثقفين المغاربة (قصاصين ـ روائيين ـ شعراء ـ زجالين ـ مسرحيين) كانوا أعضاء في هذه الإطارات السياسية والحقوقية، خصوصا في مطلع السبعينيات التي عرفت ذروة الصراع بين النخب السياسية والمثقفة وبين النظام القمعي الحاضن للطبقة الأرستقراطية والبرجوازية المنتفعة من خيرات البلاد، بعد انسحاب المستعمرالفرنسي .
إذن يمكن اعتبار (الالتزام السياسي) بمفهومه الأيديولوجي أساسا، هو الجسر الذي التقى فيه كل من الأديب والعامل لينتجا معا ما بات يعرف بـ»الأدب العمالي»، إلا أنه لم يرق إلى أفق أدب عمالي قائم الذات له خصوصياته وأقانيمه المتميزة على غرار ما أنتجه الأدب الغربي والروسي، كما أنه لم يشكل زخما وتراكما قمينا بمقاربة ظاهرته في أبعادها السوسيولوجية والأدبية والجمالية، باعتبارها شكلت تيارا واضحا في تضاريس الأدب المغربي، مثلما نتحدث عن (أدب السجون) عند عبد القادرالشاوي، أو (أدب المهجر) عند إدريس الشرايبي أو (أدب السيرة الذاتية) عند محمد شكري ومبارك ربيع .
تحضرني في هذا الموضوع قصة «كما هي العادة» للقاص والصحافي الفقيد عبدالجبار السحيمي، التي نشرت ضمن مجموعته القصصية اليتيمة «الممكن من المستحيل» التي صدرت عن مطبعة الرسالة سنة 1969 . وقصة «كما هي العادة» وإن كانت لا تندرج بشكل واضح ضمن قصص أدب (النضال العمالي) إلا أنها نحتت صورة متفردة لبطل عامل كادح توفي تاركا زوجته وحيدة تعيش مرارة وحشتها في مجتمع لا يرحم …تقوم البنية الزمنية في هذه القصة على لحظة واحدة تستغرق فيها الزوجة الأرملة في تهيؤات واستيهامات طافحة بالحزن والحلم بعودة زوجها ذات مساء، حيث تتخــــيله قد عــــاد من المعمل على دراجته الهوائية في منتصف الليل.. يدخل في هدوء إلى البيت.. يتلمس الجدار فـــي الظــــلام .. يشعل زر النور.. يدلف إلى المطبخ لإعداد فنجان قهــــوة.. يدخن سيجـــــارته الأخيرة ثم يرتدي منامته وينــــدس بهــــدوء إلى جانبها في السرير، لكنها حين تستدير في الظــــلام لتعانقــــه لا تجد بجانبهــا غير الفراغ، فزوجها توفي بعد أن استفحل مرضه بسبب مخلفات صحية ناجمة عن عمله في المصنع .
ولربما هناك قصص أخرى لكتاب آخــــرين عاشوا وصادقوا عمال المصانع وعرفوا معهم الأدخنة الصاعدة من مداخن المعامل في الدار البيضاء على الخصوص، مثــــل القاص إدريس الخـــــوري ومحمد زفزاف ومحمد صوف ومصطفى المســـناوي وغيرهم…
٭ كاتب مغربي
عبده حقي