هل يُغيّر مُقتدى الصدر قواعد اللعبة السياسية؟

يشير التاريخ السياسي العراقي إلى أنه في عام 1948، أقر رئيس الوزراء العراقي صالح جبر معاهدة بورتسموث، التي ضمنت لبريطانيا مصالح وامتيازات كبرى في العراق، على حساب المصالح الوطنية والقومية.
وعندما ثار الشعب العراقي معترضا عليها وأسقط الحكومة، كلف الملك محمد الصدر، كي يلغي المعاهدة ويمحو الآثار التي ترتبت بتوقيع الأول عليها. وبما أن الاثنين كانا من الشيعة، حينها انتشرت في الاوساط السياسية مقولة فحواها، إن شيعيا أهدر حقوق الوطن والمواطن، فأتى شيعي اخر ليمحو ما فعله الأول، ويضمن حقوق الوطن بالغائه المعاهدة. فهل يعيد التاريخ نفسه ويتولى مقتدى الصدر القيام بعملية تغير جذري لصالح الشعب والوطن، على غرار ما فعله محمد الصدر؟ أم أن الظروف المحلية والدولية والإقليمية ستكون كوابح كبرى أمامه؟
لزعيم التيار الصدري كتلة برلمانية هي كتلة الأحرار، لها ثلاث حقائب وزارية في الحكومة الحالية، وأربعة وثلاثون مقعدا برلمانيا. في المفهوم السياسي فإنهم قوة سياسية مشاركة في صنع القرار وليست معارضة، وبالتالي فإن ما يوصف به الحكم الحالي من مفاسد، يتحملون وزرها بالتساوي مع باقي المشاركين في العملية السياسية، لكن شخصية وظروف زعيم التيار، والظروف الذاتية للحاضنة الشعبية له، ميزته عن باقي قوى البيت السياسي الشيعي. هو ليس حزبا سياسيا ولا يضم بين صفوفه نخبا تربت في الخارج، كما لا يندرج ضمنه عمائم دينية سياسية ذات ثقل كبير في الاوساط الاجتماعية والسياسية كباقي الكتل. يضاف إلى ذلك أن شخصية زعيمه البعيدة عن أروقة السياسة الحالية ومؤامراتها ومنزلقاتها الخطيرة، أضافت إلى هذا الاتجاه السياسي بعدا آخر يختلف عن غيره، ما جعله في مرات عديدة يصطف مع الاتجاهات الأخرى على الساحة العراقية، كالاكراد وعرب المحافظات الشمالية والغربية ضد شركائه في البيت السياسي الشيعي.
وقد شكلت هذه المواقف استفزازا كبيرا لحلفائه فوصفوه بالجهل بقواعد الحكم، واتهموه بشق وحدة صفهم، لكن اعتراضاته الواضحة بلا مواربة جعلت منه مقبولا في الاوساط الشعبية الفقيرة. ولاشك أنه بات يشكل صداعا مستديما للحاضنة الإقليمية إيران، التي هي حريصة على وحدة موقف أتباعها وعدم خروج صوت معترض من بين صفوفهم.
أما موقف التيار الصدري من التظاهرات، التي عمت بغداد ومحافظات الجنوب العراقي منذ سبعة أشهر، ولازالت مستمرة حتى اليوم، فيمكن ملاحظة تطورات موقفهم منها بصورة تدريجية، ابتدأت بالدعم الشفهي والبيانات، ثم بدعم التوجهات الإصلاحية التي أعلن عنها رئيس الوزراء، ثم التخلي عن هذا الدعم، وأخيرا الدعوة لجمهور التيار بشكل خاص والعراقيين بشكل عام للنزول إلى الشوارع بتظاهرات مليونية يقودها زعيم التيار نفسه، وهي أول فعالية سياسية يقودها زعيم ديني سياسي منذ عام 2003، على الرغم من أنه ليس التيار الأقوى في المعادلة السياسية، سواء من الناحية المالية أو المقاعد البرلمانية، أو حتى المناصب الحكومية على مستوى الوزراء والكادر الإداري المتقدم في الدولة العراقية. لكن هذا الموقف لا يمكن بأي حال من الأحوال إضفاء صفة البراءة عليه، بل إن الصدر سعى به إلى الاستفادة من المعطيات على أرض الواقع والعودة إلى صدارة المشهد، بعد أن وجد تيارا شعبيا هو حاضنة البيت السياسي الشيعي قد أعلن التمرد على من انتخبهم، كما أنه حاول الاستفادة من إعلان المرجعية الدينية العليا للشيعة، بأنها عجزت من النصح والارشاد والكلام وآثرت التوقف عن إصدار البيانات التي تؤشر للوضع السياسي العراقي، وبالتالي هو فهم هذا الموقف على أنه عدم اعتراض على أي فعالية سياسية سيقوم بها، والدليل أنه تحدث باسمها عندما أعاب على رئيس الوزراء عدم استغلاله الدعم الذي قدمته المرجعية له.
هل سيستمر التيار الصدري وزعيمه بالتصعيد السياسي في المرحلة المقبلة، أم أن موقفه الأخير سيحرك المتنفذين الإقليميين للضغط عليه باتجاه التخفيف، وإعطاء مزيد من المرونة للالتفاف على التظاهرات؟ لا شك أن التحرك بهذا الاتجاه قد بدأ، فإيران لن تسمح بأن يفضح أركان البيت السياسي الشيعي بعضهم بعضا، وهي حريصة على وحدة موقفهم، وقد دعتهم إلى طهران مرات عديدة في مواقف خلافية سابقة، كما أرسلت اليهم من يرأب الصدع الذي ران على العلاقات في ما بينهم مرات عديدة. هي تعلم جيدا أن زعيم التيار الصدري ليس محبوبا من قبل الكثير منهم، وفي الوقت نفسه هي لا تحبذ أن يخرج الرجل بمواقف كهذه علنا. لكنه يمارس نشاطا سياسيا، ومن يدخل هذا الطريق لابد أن تكون له مصالح يسعى للوصول إليها، وأن يبرز كقائد سياسي متميز عن الآخرين. هذه مواقف مشروعة في العمل السياسي، لكن السياسة ليست فقط مواقف معزولة عن الظروف، بل هي مرتبطة بالظروف المحيطة بها، وزعامة التيار لديها ظروف فعل سياسي ناجح حاليا، قد يُغلبّها على الضغوط التي ستمارس عليها إن أرادت ذلك. أول عوامل نجاحها أنها طرف في البيت السياسي الشيعي، وما يقوم به التيار الصدري من تظاهرات واعتصامات، وما يطلقه زعيمه من تهديدات باقتحام المنطقة الخضراء، لن يجرؤ أحد على اتهامه بأنه صدامي تكفيري إرهابي، كما وُصف الآخرون الذين تظاهروا لمدة عام كامل في المحافظات الست. كما لا يستطيع أحد أن يصف الصدر بأنه من معسكر يزيد. كذلك لا مجال للحديث عن أن تظاهرات التيار الصدري هي ضد الدين والدولة الدينية، فزعيمهم رجل دين معمم ومن عائلة دينية معروفة. مع ذلك فإن التيار الصدري بحاجة إلى من يسنده في موقفه العابر للطائفية، الذي ينادي به الآن، ويعطيه زخما إضافيا يمنحه المزيد من الشجاعة في السير بهذا الاتجاه.
قد يكون إعلان نواب الإسلام السياسي السني تحالفهم مع كتلة الصدر البرلمانية إحدى وسائل الدعم، ولو أننا لا نعتقد بان لديهم الشجاعة الكافية لاتخاذ موقف كهذا، فهم تركوا من انتخبوهم في العراء وذهبوا للسكن في فنادق الدرجة الاولى في العراق وخارجه، وهو دليل على أنهم لا ولاء لديهم لا للوطن ولا للطائفة ولا للعشــــــيرة ولا لأي شيء. قد يشكك البعض في الموقف الأخير للتــيار الصدري، وقد يتخوف غيرهم من المراهنة على مواقفه نتيجة مواقف اتخذها ثم تراجع عنها. كل ذلك في محله، خاصة أن كل أطراف العملية السياسية يتحدثون عن الفساد وإهدار الثروات وسرقة المال العام، والفشل في إدارة الدولة، وكأنهم ليسوا هم السلطة والوزراء والنواب والمسؤولين، بل وكأنهم منظمة الشفافية العالمية التي تراقب الفساد عن بعد.
حسنا فعل التيار الصدري وزعيمه حينما سحب دفاعه عن وزرائه ونوابه، ولم ينزه أحدا منهم من الفساد، بل تركهم في عهدة القضاء والوثائق. حسنة أخرى للتيار أن تظاهراته لم ترفع إلا علم العراق.

٭ باحث سياسي عراقي

د. مثنى عبدالله

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية