واشنطن ـ «القدس العربي»: انتقد زعماء الحزب الديمقراطي في لجنة الاستخبارات في مجلس النواب استعداد إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للسماح لإيران بالمشاركة في المحادثات المتعددة الجنسية حول وضع حد للعنف في سوريا ضمن خطوة تتماشى مع رغبة روسيا إذ قال النائب آدم سميث بعد يوم واحد من اعتراف وزارة الخارجية بدعوة إيران لهذه المحادثات ان وجود طهران سيفسر كانه مكافاة لتدخلها في الحرب الأهلية المستمرة منذ أربع سنوات.
وأضاف ان الإيرانيين جزء من المشكلة، ومن الواضح انهم سيكونون جزءا من النقاش حول نهاية اللعبة ولكن بالتأكيد لن يكون لهم دور بناء. وقال أنه قلق من تأثير ذلك على الحلفاء مثل السعودية وغيرها وكيف ستنظر هذه الدول إلى التحول الأمريكي نحو إيران.
وأوضح انه بدلا من محاولة إجبار الرئيس السوري بشار الأسد على التخلى عن السلطة فإن إيران ستحاول إنقاذه من الحصار ، وقال :» هدفهم هو الحفاظ على هذا الحليف، وبصراحة هناك قلق في الوسط السياسي في واشنطن من محاولات التواصل مع الإيرانيين والروس لأن ذلك يبدو كأنه مكافأة للتدخل العسكري.
وتاتي تعليقات سميث في اعقاب سلسلة من التصريحات الهامة من الجمهوريين في الكونغرس حول مخاطر استعداد الولايات المتحدة للتعامل مع إيران وروسيا في الموضوع السوري، ووفقا للتقارير فقد دعت روسيا، وليس البيت الأبيض، إيران إلى المفاوضات الدبلوماسية في فينيا، ومع ذلك فإن رغبة إدارة أوباما في السماح لإيران باحتلال مقعد حول طاولة المفاوضات تمثل تحولا كبيرا في التقارب الأمريكي الإيراني في اعقاب الاتفاق النووي التاريخي بما ينسجم تماما مع المشروع الروسي في المنطقة.
ودافع البيت الأبيض عن وجود إيران في المحادثات، وقال المتحدث اريك شولتز للصحافيين على متن طائرة الرئاسة ان الولايات المتحدة مستعدة للعمل مع أي دولة بما في ذلك روسيا وإيران لحل الصراع في سوريا مشيرا إلى ان بيت القصيد هو ضرورة وجود جميع الأطراف أصحاب المصلحة والمشاركة في العثور على حل.
وشرح ان دعوة إيران للمناقشات لا تغفل نقاط الضعف في علاقة إيران المستمرة مع النظام السوري ودعمها التواصل للمنظمات الإرهابية مثل حزب الله.
وإضافة إلى غضب الوسط السياسي في واشنطن مما يحدث، من المرجح ان تؤجج خطوات أوباما غضب الدول العربية مثل السعودية التي من المتوقع ان تشارك في المحادثات علما بأن البيت الأبيض قال أن أوباما تحدث مع العاهل السعودي الملك سلمان متعهدا بالحفاظ على «التعاون الوثيق» في سوريا.
وفي الواقع، فإن تزايد الغضب في واشنطن من سلوك إدارة أوباما تجاه إيران هو مؤشر واضح على أستياء النخبة السياسية في العاصمة الأمريكية من استعداد أوباما للتماشي مع خطط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الشرق الأوسط فالبيت الأبيض لم يقف بوضوح في وجه موسكو بصلابة وامتنع عن التعليق عن المعلومات المتسربة حول المشروع السياسي الروسي في سوريا بحجة انه لا يستند على موقف رسمي من موسكو، ولكن واشنطن بعيدا عن إدارة أوباما تعتقد أن الرئيس الروسي بعد ضمه لشبه جزيرة القرم وتحويله للمشكلة في اوكرانيا إلى لغو فارغ في الساحة الدولية قد تفرغ تماما الآن لمارسة لعبة القوة المفضلة لديه وهي اعادة تشكيل الشرق الأوسط بدءا من التدخل العسكري في سوريا باستخدام عباءة الدبلوماسية وتحويل الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى مسرح شخصي ودعم الرئيس السوري عسكريا بصراحة عبر خطة واضحة وهكذا وفقا لما يعتقده ساسة واشنطن فان روسيا ستكون حرة جنبا إلى جانب إيران في فرض هيمنة اقليمية في جميع انحاء الشرق الأوسط، اما سوريا فما هي سوى خطوة أولى بالغة الاهمية لتحقيق هذا الهدف.
بوتين وفقا لأقوال الخبراء في واشنطن مفكر جيوستراتيجي مخضرم ادرك ببراعة أن الأسد قد بدأ يفقد سلطته تماما بمعدل متسارع أمام الجماعات المتمردة على الرغم من التفجيرات الوحشية التي يمارسها النظام بشكل روتيني فما كان من بوتين إلا التصرف مثل صياد في الإنتظار، لينشر خطته في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وقد تحقق هدفه بالفعل من الهجوم العسكري المباغت في سوريا حيث حافظ على المفاوضات السياسية وبالتالي ضمان مقعداً لروسيا حول طاولة المفاوضات، والاهم من ذلك كله، اثبت بوتين للعالم أنه يقف مع حلفائه بشكل جيد في «لكمة» مباشرة للرئيس الامريكي باراك أوباما الذي لا يقف بشكل مناسب مع حلفاء الولايات المتحدة.
وفي الواقع، حقق بوتين انتصارات بدون حساب حيث توغل في سوريا على أرض صلبة من الناحية القانونية بحجة دعوة الأسد له للتدخل، ومن الناحية العسكرية، لم يتعرض الرئيس الروسي لنكسة حقيقية بسبب غزو روسيا لشبه جزيرة القرم، ومن المؤكد، عدم تصدي أي أحد لتحركات بوتين بما في ذلك الولايات المتحدة أو تركيا أو حلف شمال الاطلسي، وفي نهاية المطاف، وفقا لأقوال الخبراء فان ثمار الرهان ستظهر قريبا عبر الهيمنة على الشرق الأوسط وإعادة تشكيل خريطة المنطقة لصالح روسيا وإيران.
وعلى الرغم من وفرة التحديات التي ستواجه روسيا نتيجة تدخلها في سوريا إلا ان اللعبة في صالح موسكو حتى الآن، ووفقا للعديد من المحللين فان الثلاثي الروسي الإيراني السوري قد رسخ مكانته في جميع انحاء المنطقة، وكدليل على ذلك، تصطف حاليا الدول الأوروبية للاستثمار في إيران قبل ان يجف حبر الاتفاق النووي بينما تشهد دول الخليج المتحالفة مع الولايات المتحدة ويلات جديدة، وكل هذا سيسمح بوصول روسيا إلى فرص لا حدود لها لتحقيق استقرار في اقتصادها الهش، والأمر المثير للقلق وفقا لساسة واشنطن هو افساح المجال لروسيا عبر سوريا بإرسال إشارات لدول المنطقة بان الولايات المتحدة ليست شريكا يمكن الاعتماد عليه قطعيا وبالتالي ضرب صورتها كقوة عظمى وحيدة في العالم.
وتأتي المشاريع السياسية الروسية في سوريا امام المجتمع الدولي ضمن هذه الرؤية القاتمة ولا يمكن أخذها على محمل الجد أو الاحترام وفقا للوسط السياسي الغاضب في واشنطن فهي في النهاية تهدف للقضاء بشكل منتظم على المعارضة المتمردة واجبار المجتمع الدولي على الإختيار بين نظام الأسد او تنظيم «الدولة الإسلامية».
مرة أخرى، يمكن القول بان بوتين قد حقق مكاسب على حساب القوى الغربية بما في ذلك الولايات المتحدة ولكن هناك العديد من التحديات التي يمكن ان تعيق التقدم الروسي في سوريا فالهجوم العسكري الروسي ضمن لبوتين بالفعل مقعدا على طاولة المفاوضات بغض النظر عن مستقبل الأسد ولكن، في الواقع، روسيا بحاجة لدعم من إيران لتحقيق ضربة قاضية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» لكي تقطع شوطا اطول نحو تأمين مكانة روسية في التسلسل الهرمي الجيو سياسيى. ووفقا للتحليلات الأمريكية الهامسة في واشنطن فإن تحركات روسيا قد تتعثر بشكل جدي أمام تنظيم «الدولة» ، وكما سخر العالم من الخطوط الحمراء التي وضعها أوباما في سوريا بدون تنفيذ فان هناك توقعات بهزيمة بشعة للخطوط الحمراء الروسية في المنطقة لأن الجميع يلعبون على رقعة شطرنج خاسرة تدعى الشرق الأوسط. طموحات إدارة أوباما على ما يبدو فيما يتعلق بدور سياسي روسي في سوريا لا تتجاوز إقناع موسكو للأسد بالتخلي عن السلطة مقابل الكثير من التنازلات ولكن الآمال ضعيفة حتى الآن في تحقيق أي نتيجة، وبغض النظر عن بنود أي اتفاق محتمل في الشأن السوري من الناحية السياسية فقد خسرت الولايات المتحدة بالفعل أكثر مما يمكن ان تكسبه من نتائج المفاوضات السياسية الحالية بمشاركة إيران وروسيا.
رائد صالحة