يهود الولايات المتحدة هم يساريون. هذا الاستنتاج الصارخ توصلت اليه جهات إسرائيلية يئست من الميول الليبرالية المستفزة للجاليات اليهودية في الولايات المتحدة، وهي تبحث عن البديل لها. هم متعالون، هؤلاء اليهود المرتاحون، المثقفون والحساسون لحقوق الانسان، «قراء نيويورك تايمز» ـ باختصار كل ما يشمونه في القدس كيسارية يؤدي الى العداء لليمين الإسرائيلي وافعاله.
ليس جميع اليهود هكذا بالطبع، لكن غالبيتهم هكذا: مصوتو الديمقراطيين الذين أيدوا كلينتون واوباما، رواد الصراع على حقوق المواطن، مساواة النساء واللهتافيون، المعتدلون دينيا ـ اصلاحيون في غالبيتهم. هذا جمهور يتقبل الآخر ويرفض العنصرية. نعم يوجد لهؤلاء اليهود انتقادات شديدة لإسرائيل وللجمود السياسي والاضرار بالديمقراطية والاجبار الديني والتعامل المهين معهم أنفسهم، كجماعة مندمجة ليس لها جذور.
على مدى سنين احتفظوا بالانتقاد داخل البطن واستوعبوا بصمت احتقار إسرائيل لقيمهم. يهود الولايات المتحدة الجدد لم يرغبوا في تقديم الذخيرة للاساميين وأعداء إسرائيل الحقيقيين. لقد منحوا الاموال للوكالة اليهودية والمغبيت والبوند والكيرن كييمت ورابطة الجندي وكل مؤسسة اكاديمية أو مستشفى أو فرقة موسيقية. لقد منحوا إسرائيل اللوبي السياسي الاكثر نجاعة في واشنطن، لكنهم صمتوا. ولكن هم لن يصمتوا بعد الآن. فهم يحبون إسرائيل وهذا لم يتغير. هم يعارضون المقاطعات ـ هذا خطر احمر بالنسبة لهم، لكنهم لا يخفون تحفظهم من توجه إسرائيل الى الطريق المظلم. هم حلفاء أقوياء لمن يريدون الديمقراطية في إسرائيل ويؤيدون التعددية والعدالة الاجتماعية والسلام. في المقابل، اليمين في إسرائيل الذي يزداد تطرفا يطارد اليساريين ويعتبرهم خونة ويبتعد عنهم.
إن التعاطي مع اليهود في الولايات المتحدة يتناسب مع سلب شرعية منظمات اليسار في إسرائيل، الأمر الذي يحدث منذ سنوات. فبنيامين نتنياهو يقوم بمقاطعة وفود اعضاء الكونغرس التي تقوم باحضارها «جي ستريت»، وسفارة إسرائيل في الولايات المتحدة تتصرف بشكل مماثل مع المنظمة ككل. الآن سيكون هنا سفير امريكي يهودي لقب هذه المنظمة باسم «كافو». التحريض ضد صندوق إسرائيل الجديد، المنظمة اليهودية الهامة، هو منذ زمن عامل ثابت في كل تشهير. ولا يجب الاستغراب من اعتقال نائبة رئيس الصندوق في الشهر الماضي في مطار بن غوريون وسؤالها حول تمويل الجمعيات. وقد منعت إسرائيل في العام 2010 دخول البروفيسور نوعام شومسكي. الاصلاحيون الذي يمثلون التيار اليهودي الاكبر في امريكا يعانون من التمييز المنهجي في إسرائيل، ويصورون على أنهم يدمرون الشعب اليهودي. «أنا متنازل عن هذه اليهودية»، قال وزير الداخلية آريه درعي.
إذا كان يهود امريكا لا، فمن نعم؟ هذا يعني أنه يوجد بديل: الافنغلستيين. هم الصهاينة الجدد، كما يُعرفون أنفسهم. يجب أن نلاحظ عددهم في اللوبيات اليمينية كي نصدق الامر. تأييد غير مشروط للمستوطنات، الايمان بحق اليهود الوحيد على جميع البلاد ومعارضة السلام وحقوق الانسان. ويبلغ عدد الافنغلستيين عشرات الملايين في الولايات المتحدة ولهم قوة سياسية كبيرة. وهم يقدمون التبرعات السخية للمستوطنين واليمين، الذين يتجاهلون هذا التحمس المسيحي والايمان القوي بقدوم المسيح بعد حرب يأجوج ومأجوج التي ستندلع هنا، الأمر الذي سيؤدي الى موت اغلبية اليهود، واعتناق المسيحية من قبل من سيبقون. إن هذه صهيونية غريبة جدا.
إن ادارة الظهر لليهود الليبراليين تؤكد على أن السلطة الحالية التي تتفاخر بالقيم القومية، هي عمليا لاصهيونية. التنكر لعدد كبير من الشعب اليهودي بسبب سياسة الاستيطان وسياسة الحريديين، يعني خسارة الصلة مع هذه الجالية الرائعة. وهذا الأمر يضر بمصالح وجودية لإسرائيل، لكن من يهتم بالكتاب والعلماء والفنانيين، فهم يساريون.
هآرتس 28/3/2017