هناك ما يمكن القيام به في غزة

حجم الخط
0

الوضع في غزة هو مصيدة باعثة على اليأس، صحيح. ولكن بدل الاستسلام لليأس أريد أن أقترح هنا حلاً عملياً يمكنه إنقاذنا وإنقاذ سكان غزة من هذه الدائرة المحبطة التي نحن مسجونون فيها الآن.
المصيدة في غزة وبدرجة كبيرة أيضاً في الضفة، تنبع من أنه لا توجد قوة جوهرية تعمل على تحسين وضع السكان. حماس معنية بالحفاظ على قوتها الحاكمة مع تجميع وسائل قتالية، وإذا لزم الامر التضحية بحياة البشر. حكومة إسرائيل لا تطرح أفكاراً أصيلة، وهي سلبية وليس لديها ما تطرحه في ما يتعلق بقطاع غزة.
مركز انشغالها هو تضخيم قوة حماس ومعروف أنها لا تهتم برفاه السكان في غزة. مصر تحاول تقليص أضرارها من غزة، وجهات دولية تعمل في الهامش، بدرجة صغيرة. في كل مرة صحيح أنه تتشكل لجان لدعم القطاع، لكنها في الاساس استعراض فارغ، وليس دعماً حقيقياً. في ظل غياب «يد خفية» تقود الى تغيير، فإن هذه المصيدة ستواصل جباية الثمن. الحل العملي قائم، ولشديد الدهشة هو بسيط نسبيا وليس غاليا. قطاع غزة ليست منطقة نزاع ديني أيديولوجي ولا يقع في موقع استراتيجي، مشاكله الاساسية هي الاكتظاظ الفظيع، فقر من النوع الموجود في دول افريقيا المتخلفة جداً، وتدمير متواصل للبنى التحتية. وكما كتب عمانويل سيفان («هآرتس»، 18/5) فان هذا الوضع يتطور خلال أكثر من ثلاثين سنة، لكنه الآن أصبح حاداً لأن قطاع غزة مكشوف لخطر الأوبئة وانهيار المستشفيات، هذا من دون ذكر أعمال اليأس.
توجد علاقة بين هذا الوضع وأحداث الاسابيع الاخيرة سواء الصدامات حول المسيرات نحو الجدار أو جولة القتال (اطلاق الصواريخ والقذائف وعمليات قصف رداً على ذلك). اسرائيل تخطيء في اعتقادها بأن ضغطاً عسكرياً سيؤدي الى حل في غزة. هذا لم يثبت نفسه على الاطلاق في الـ 12 سنة الماضية منذ صعود حماس للحكم. الوضع في غزة يزداد خطورة وهكذا أيضاً رد اسرائيل السلبي.
إسرائيل لم تتخذ أي خطوة إيجابية وبناءة. ردودها كانت تدمير البنى التحتية وتضييق الحصار وإطلاق النار. أنا لا أقول أن حلاً اقتصادياً سينهي النزاع، لكن ينطبق هنا المنطق الذي وجّه الامريكيين في خطة مارشال بعد الحرب العالمية الثانية: يجب المساعدة أيضاً في إعادة اصلاح اقتصاديمدني للعدو، وليس فقط للحلفاء (المانيا كانت هي الثالثة في قائمة متلقي المساعدات الامريكية). هناك اقتراحات مثل انشاء جزيرة إصطناعية، لكن لا يوجد في هذا حل عملي، الذي هو ضروري جداً على المدى القصير. هذا مشروع سيؤتي ثماره بعد سنوات كثيرة. وحتى ذلك الحين فان غزة ستنهار. فقط إذا تم القيام بخطوات عملية، من النوع الذي سأفصله حالاً، سيكون بالامكان التفكير أيضاً بمشاريع كبيرة كهذه، وفحص امكانيات القيام بها. اقتراحات صغيرة مثل تخفيف الاغلاق وانتقال البضائع، هي ضئيلة جداً. هذه الاقتراحات يتم سماعها صبح مساء من سياسيين وحتى من كتّاب أعمدة في هذه الصحيفة. لكن اسرائيل تجد صعوبة في تطبيقها. وعلى أي حال هي نقطة في بحر مقابل محيط المشاكل. ما هو الحل الذي يعطي حوافز لتهدئة الامور وشق طريق «هدنة» قابلة للحياة؟ اسرائيل يمكنها العمل من خلف الكواليس لإنشاء قوة مهمة دولية من دون المشاركة فيها. قوة المهمة هذه ستضم خبراء، أساساً في مجال الصحة والبنى التحتية الضرورية، وتكون مرتكزة على دول أوروبا المقبولة على الطرفين (خاصة بريطانيا والمانيا وفرنسا).
هذه القوة ستعمل في البداية على إعادة تأهيل الصحة والنظافة في غزة، في كل ما يتعلق بالمياه والصرف الصحي وأداء المستشفيات. توجد لهذه الدول تجربة كبيرة في هذه الانظمة في مناطق حضرية كبيرة، لهذا سيكون بالامكان رؤية تقدم خلال ستة إلى ثمانية أشهر. وتقليص الضائقة الانسانية التي أشعلت موجة العنف الاخيرة.
الموقف الدولي المهني هو أمر حاسم. أنا اعتقد، وبنيامين نتنياهو يدرك، قيمة هذه المقاربة التي تستند الى اقتصاد بناء. من شبه المؤكد لو أنه كانت هناك مشاريع بناء على طول الجدار مع اسرائيل من الطرف الغزي لكان يمكننا توقع مظاهرات أقل كثافة من التي حدثت مؤخراً. إذا كان يوجد نجاح لهذه القوة فإن هذه الدول يمكنها العمل على إقامة جسم للتطوير، حسب نموذج بنك تطوير أوروبا القائم منذ التسعينيات لعلاج مشكلات البنى التحتية.
جسم مهني دولي كهذا يمكنه تحريك مشاريع قصيرة المدى وطويلة المدى (إقامة مطار وتطوير حقل غاز في البحر). هناك قائمة غير قصيرة لمشاريع اقتصادية يمكن تنفيذها. بخصوص «الاخطار الامنية» التي تكتنف المشاريع في غزةيجدر أن نذكر أن حماس سبق لها وأدارت عدة جولات قتالية امام اسرائيل أطلقت فيها صواريخ وحفرت الأنفاق، رغم الاغلاق الاسرائيلي على مدى عشر سنوات. في كل الحالات يمكن، بل مطلوب، إيجاد طرق خلاقة لتقليل هذه الاخطار.
قوة المهمة هذه يمكنها أيضاً التغلب على إعاقات حماس والتأكد من أن الاموال ستصل الى أهدافها، لا الى قيادة حماس. إن كلفة هذا الجهد الاقتصاديحسب تقديري 14 مليارات دولار في السنة خلال بضع سنواتليست مرتفعة بالمفاهيم الدولية. من المهم أن نذكر ان الاقتصاد الغزي صغير نسبيا وقدرته على امتصاص الاستثمارات محدودة.
النجاح في غزة يمكن استخدامه كنموذج للتدخل في مناطق حدثت فيها كوارث في الشرق الاوسط. في المحادثات التي أجريتها في السنوات الاخيرة مع شخصيات رفيعة سابقة في الجيش حصلت على دعم لا بأس به لهذه الافكار. هناك عدد من الصعوبات التي يجب التغلب عليها من أجل تنفيذ الخطة: مشاعر الجمهور الاسرائيلي تجاه سكان غزة تتراوح بين اللامبالاة والكراهية. السياسيون يتبعون هذا المزاج، حيث أنه ليس لديهم حلم ورؤية للمستقبل وهم أساساً منشغلون في ضمان بقائهم في الحكم أو في الجهود من أجل انتخابهم.
قيادة الجيش التي ترى مباشرة الخطر، غير مبنية لاعطاء حلول كهذه. الجيش يعرف كيف يحارب لا أن يعيد تأهيل البنى التحتية السطحية. ويجب أن نضيف الى هذا حقيقة أن العالم ليس قلقا بشكل خاص من مشكلة قطاع غزة. في الشرق الاوسط تحدث كوارث كثيرة (في سوريا واليمن وأحياناً في العراق وليبيا أيضاً)، التي أصبح من الصعب معرفة ماذا يمكن فعله. وفي نهاية الامر لا يتم فعل شيء. من المؤلم رؤية معاناة سكان قطاع غزة ورؤية انغلاق وقسوة قلوب الكثيرين في اسرائيل وفي العالم، في حين أن حلاً قابلاً للتطبيق ممكن وموجود في متناول اليد.

هآرتس 5/6/2018

هناك ما يمكن القيام به في غزة
ينبغي إقامة قوة مهمة دولية تتكون من خبراء في الصحة والبنى التحتية لإيجاد حل للقطاع
عيران يشيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية