هنا سوريا…. تعدد الموت والحرب واحدة

حجم الخط
0

القامشلي – يوسف صبري : السوريون يتنفسون ويلات الحرب منذ ستة أعوام. تلك الويلات التي تحاول بشتى الوسائل وبكل قوتها قتلهم أينما وجدوا وكيفما وجدوا.
رعد (14 عاماً) الفتى القادم من مدينة دير الزور الواقعة في الشرق السوري إلى مدينة الحسكة في أقصى الشمال الشرقي للبلاد، يذهب لمدينة القامشلي التي تبعد عن الحسكة سبعين كم، كل صباح ويعود برفقة أخيه كل مساء. تراه طوال النهار جالساً في وسط المدينة داخل السوق الشعبية القديمة المسماة بـ( سوق اليهود) محاولاً الحصول على مساعدة . لا يمد يده قط، فكثيراً ما تراه يمعن النظر ويسرح إلى مكان ما، أو إلى شيء ما، فقط ينادي بكلمة واحدة أصبحت معروفة به في معظم المدينة «ساعدوني منشآن الله».
يبقى رعد يكرر كلمة ساعدوني كل دقيقة، منتظراً أن يساعده عابر سبيل ما، منتظراً أن يمنحه أحدٌ ما نظرة خاطفة.
فالتسول لا يليق به كما يقول «أنا أنتمي لأسرة كانت ميسورة الحال وكان والدي يحاول صنع رجل طبيب مني لا متسولا».
هو واحد من آلاف السوريين الذين تغيرت حياتهم بين ليلة وضحاها بل بين قذيفة وقذيفة.
«كان يوماً عادياً جداً قبل أربع سنوات وكنت مع أصدقائي في حارتنا في دير الزور نحاول اللعب بعد ليلة طويلة من سماع صوت الرصاص وخوف أمي من الرصاص الطائش طوال الليل»، يقول لـ «القدس العربي».
يتابع: «كانت رصاصة دوشكا كما قال لي والدي فيما بعد ولم تكن طائشة بل كانت نائمة «.
رعد، اضطر مع أهله إلى ترك بيته ومدينته بعد احتدام الصراع في مدينته دير الزور، لكنه الآن (متسول بعين واحدة ويد واحدة)، هكذا أطلق على نفسه.
رصاصة الدوشكا التي انفجرت بيد رعد، وهو ظنها لعبة، كانت كفيلة أن تغلق عينه اليمين وتبث الخمود في يده اليمنى التي بحثت عن لعبة فتوقفت للأبد.
يقيم الآن مع عائلته المكونة من أب كبير في السن وأم وأخين صغيرين، في منزل صغير على أطراف مدينة الحسكة، شمال سوريا.
العائلة تفعل ما بوسعها لتأمين تكلفة العملية الجراحية لعين رعد والتي تقدر بما يقارب المليون ليرة سوري، كما أخبرهم الأطباء.
محمد، الأخ الأصغر لرعد، يعمل من اجل أخيه، ويبقى معه دائماً وبجانبه، يجهد نفسه من أجل تأمين تكلفة العملية الجراحية. فربما تعود لرعد عينه التي ذهبت مع طلقة واقعة على الرصيف وتنتظره لتنفجر به.
رعد وأهله النازحون من نهر الفرات إلى نهر الخابور يغرقون كل يوم بغبار الحرب واليأس الذي لن ينتهي مادامت عين رعد ويده غائبتين.
ربما هم حكاية واحدة من ألف ألف حكاية فقدان وتشرد داخل وطنهم. فقد تعدد الموت والحرب واحدة. هنا سوريا.

هنا سوريا…. تعدد الموت والحرب واحدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية