بعد أن تهيأت لتناول موضوع «الرهان على ثورة الجياع»؛ الحديث المتداول بين أوساط داخلية وخارجية عن مصر؛ بعدها جاء ما كتبه الدكتور يحيى القزاز في موقع صحيفة «اليوم السابع» المصرية عن المصالحة، وردود الفعل الحادة على ما كتب؛ جعلت الكتابة على هامش هذه الدعوة ضرورة ومدعاة لتأجيل «ثورة الجياع»؛ وأثار المقال ضجيجا وزوابعا؛ تدنت بلغة الحوار وبأساليب التعامل مع الأفكار والآراء. والقزاز لمن لا يعرفه أستاذ جامعي متخصص في علم طبقات الأرض «الجيولوجيا»، ومن رموز التغيير والقابضين على جمر الثورة؛ وكان من مؤسسي «حركة 9 مارس» لاستقلال الجامعات وحركة «كفاية»، وأول من نصب خيمته وحيدا أمام «دار القضاء العالي» احتجاجا، وحين سألته عن خيمته اليتيمة؛ رد أنه يسعى لخلق «حالة». وسرعان ما غطت «الحالة القزازية» ميدان التحرير وميادين الثورة بعد أقل من خمس سنوات، وشيوع هذه «الحالة» أدى إلى صمود المعتصمين لثمانية عشر يوما؛ انتهت برحيل مبارك.
والقزاز كان «القابلة» التي حضرت ولادة «حركة تمرد»؛ منذ بذرتها الجنينية بين “شباب كفاية”، وتكونت من محمود بدر، وحسن شاهين، ومصطفى السويسى، ومحب دوس، ووليد المصري، ولما تحفظت اللجنة التنسيقية لـ»كفاية» على الفكرة، وكان القزاز عضوا فيها؛ استثنى نفسه، وانحاز لها. وكثيرا ما يسبق غيره بخطوة أو أكثر. وحين تناولت على هذه الصفحة (01/ 12/ 2012) ما ترتب على الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012 والمذبحة؛ المعروفة بـ»مذبحة الاتحادية»، واستشهاد عدد من المحتجين حول سور القصر الجمهوري، وكان منهم الصحافي الشهيد الحسيني أبو ضيف؛ قلت: «لا يبقى أمام الرئيس مرسي إلا الاستقالة؛ كحل ممكن بأقل قدر من الخسارة، وهذا فعله عبد الناصر بعد أن أعلن تحمله لمسؤولية الهزيمة في 1967… وفعلها ديغول بعد ثورة الطلاب في 1968… والمؤيدون والمعارضون يعلمون قامة عبد الناصر وقدر ديغول ورصيدهما الوطني والعالمي، وهو ما لم يتوفر بعد لغيرهما».
وعلينا أن نعتاد تنسيب الفضل لأهله، وإذا كان لممدوح حمزة دور بارز في تحريك ثورة يناير، وتوفير الإمكانيات لعقد «مؤتمر مصر الأول» (7 مايو 2011).. فيحيى القزاز سبق بخطوات ودعا لانتخابات رئاسية مبكرة على موقع «الوعي العربي» في 28/ 12/ 2012 وتحولت دعوته لمبادرة تبناها «المجلس الوطني المصري»، وصدرت في 7 يناير 2013؛ جاءت ضمن جهود البحث عن مخرج «ديمقراطي للأزمة التي صنعها الإعلان الدستوري لمرسي (21/ 11/ 2012) وتداعياته، وننقل للقارئ بندا 7 و8 من المبادرة للتعرف على أوضاع تلك الأيام، ووجود رغبة مضنية للخروج من الأزمة بسلام.
ينص البند 7 على: «تجرى الانتخابات المبكرة في الدول الديمقراطية حين تواجه مأزقا أو تحدث فيها قلاقل، وهي تؤكد شرعية الحاكم عند الفوز، أو يعتزل الحياة أو ينتقل إلى صفوف المعارضة بعد الهزيمة، وتلك آلية مثلى؛ تحافظ على تماسك الشعب، وتحمي أراضيه، وتصون استقلاله».
وينص البند 8 على أن «الحاكم المستبد – حتى وإن جاء بانتخابات ديمقراطية – عادة ما يتمسك بشرعية منقوصة لانتخابات مخطوفة، فيرفض إجراء انتخابات مبكرة، يحترق بعناده الوطن؛ مفضلا مصالح جماعته على المصلحة العامة».
ومطلب «الانتخابات المبكرة» أصبح مرتكزا التقت عليه النواة الأولى لـ»حركة تمرد»، وساهم القزاز من منطق الأخ الأكبر بنصف تكلفة المؤتمر الصحافي، الذي أُعلِنت فيه الدعوة للانتخابات المبكرة.
فور نشر المقال الذي حمل عنوان: «لا بد من المصالحة.. وإلا فالخطر قاد» انهمر سيل التجريح والسباب والطعن، باستثناء تعليق يتيم للقارئ محمد بسيوني، الذي كتب: «يا ريت نقرأ قبل ما نتكلم».. أي يا ليتنا نقرأ قبل أن نتحدث!!.. واختار مقاطع أثبت بها أن من علق لم يقرأ، والمقال لم يعن ما ذهبوا إليه!..
في البداية من حق القارئ أن يقبل بما في المقال أو يتحفظ عليه، أو يرفضه، أما أن يُشْرِع سيفه لقطع الرقاب المخالفة؛ فهذا من علامات الاستكبار والفاشية.. فالمقال اتخذ من اتساع مساحات الإرهاب، ومن النقلة النوعية له في السعودية؛ اتخذ منها مدخلا لرؤية الواقع المصري، وحاجته إلى جبهة وطنية متماسكة قوية، وحين نقل حديث المصالحة الخجول إلى العلن تحسب للهجوم المتوقع، فقال: «حتى وإن رفض البعض سماع كلمة مصالحة واتهام من يهمس بها أو يعلنها بأنه عميل أو خائن»، فالمعنى هنا واضح وأن ذلك لن يثنيه عن عزمه في إعلان رأيه وتحديد موقفه.
ومن يدقق فيما جاء بالمقال يكتشف القاعدة الذهبية التي انطلق منها الكاتب؛ وهي: «العمل الثوري غير العمل السياسي».. وأن الثورة تعرف أعداءها، وتؤمن بالتغيير الجذري ولا تعرف المهادنة ولا المصالحة مع أعدائها، وتظل تقاوم حتى تنتصر.. أما السياسة.. لا تعرف العداوات الدائمة ولا الصداقات الدائمة.. تعرف لغة المصالح وتقوم على المساومات وأنصاف الحلول،
وهذا المقال أعاد القزاز إلى مقعد الباحث؛ يحدد ويؤصل ويشرح الفكرة؛ محذرا من التجاذب، ومن وحدة موقف «الإخوان» مع تيارات مدنية متحفظة على أداء الحكم ومطالبة بالتخلي عنه.. ونبه، وهو الذي يقر بقلة هذه التيارات وضعفها؛ ينبه إلى «كيد الضعيف»، وعدم الاستهانة بصغائر الأمور. ولا يخفي توجسه من سوء الحال، وارتفاع الأسعار، وغياب النزاهة والاستقامة، واستمرار رجال مبارك، ورأيه في أن «من أفسد بالأمس لا يُصْلِح اليوم»، ومن يقف ضد إسقاط النظام القديم لا يمكنه إقامة نظام وطني جديد!!.
ووضع المقال أمام الرئيس السيسي خياران؛ إما التصالح مع الغاضبين من التيارات المدنية قبل أن يتسع الفتق على الراتق، ويتحول الغضب إلى رفض عارم؛ يهدم ولا يبني، والانحياز بوضوح لمبادئ ثورة 25/30، مؤكدا أن «تعبير ثورة 25/30 ورد في الدستور حرفيا؛ أي ثورة واحدة بموجتين»، وطالب بتنفيذ الوعود، وتطهير الدولة من فلول مبارك، وإعلان الانحياز الواضح للفقراء؛ بسياسات لا لبس فيها، والابتعاد عن المستنزفين للدولة (يقصد المستثمرين)، والبحث عن الاستثمارات الجادة؛ إما هذا وإما التصالح مع «الإخوان» لمواجهة التيارات المدنية، «ويقضي على التململ الشعبي المكبوت باستخدام الجماعة في توزيع السكر والزيت نيلا للرضا»!!. والمعنى واضح؛ على الرئيس السيسي أن يقرر «إما مصالحة التيارات المدنية الغاضبة لمواجهة إرهاب الإخوان وحلفائهم، وإقامة دولة مدنية راسخة مستقرة، أو مصالحة الإخوان لاستقرار الحكم مؤقتا وضياع الدولة المدنية مستقبلا . والخشية من المجهول في ظل العناد وصم الآذان عن غليان المراجل المغلقة، فالانفجار قادم لا محالة»!
ولأني أعرف الدكتور القزاز جيدا حتى قبل أن ألتقي به عندما كان في بعثة علمية إلى بريطانيا في تخصصه الأكاديمي.. وكان لقاؤنا الأول في وقفة احتجاجية أمام السفارة المصرية بلندن، وعرفته بلافتته التي كان يحملها.. وكانت الأكبر وعليها شعارات «حركة كفاية» المعروفة.. وساقه القدر إلى لندن كما ساق غيره من أمثال ممدوح حمزة، ومن خلالهم أقيم جسر ربط بين الداخل والخارج، وكان ذلك في السنة السابقة على ثورة يناير..
وطول إقامتي بالخارج لم تُغير قناعاتي عن محدودية التأثير الخارجي على الأوضاع الداخلية باستثناء حالات التبعية؛ وهذا الرهان حَكَم حركة قوى الموالاة، وهيمن على توجهات المعارضة حتى الآن..
والدرس المستفاد هو أن يكون المغترب وجها مشرقا لشعبه وبلده، ويتجنب السقوط أمام إغراءات التحريض ضدهما، ويقوي علاقته ببلده؛ خاصة وأن كثيرا منا عايش وشاهد مغتربين برسم البيع؛ لا يمانعون من القيام بدور «حصان طرواده» لاختراق وغزو بلدانهم وتدميرها.
ورسالتي إلى الذين يعلقون على ما لا يقرأون.. إنكم إذا قرأتم ستفهمون.. وإذا فهمتم فسوف تختارون الموقع والموقف الصحيح.. وبالاطلاع تعلمون تضحيات الناس وتعرفون أقدارهم.. وبذلك تنفتح أبواب تغيير حضارية حقيقية؛ بلا دم ولا ضجيج أو سب أو إهانة.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب