هوامش على ضفاف الهبة الفلسطينية

حجم الخط
0

في خضم الجدل المتصاعد حول سياقات اندلاع هبة الأقصى، وتشظي الآراء حول أنسب أشكال المقاومة الفلسطينية ضد دولة الاحتلال، وصعود نجم المفاضلة ما بين تكاليفها المدفوعة فعلا وإنجازاتها المنشودة، وبينما تقضي الضرورة بمراجعة سياقات انتفاضتي الشعب الفلسطيني السابقتين، جنبا إلى جنب مع سياقات الانتفاضة الحالية، استنادا إلى طبيعة القيادة والأشكال النضالية والكفاحية المعتمدة في كل منها، تقضي الضرورة كذلك بفتح أفق قراءة المشهد الفلسطيني الحالي على سياقاته التاريخية، وترابطه مع مجريات الأحداث في جواره العربي والإقليمي، التي تشي بحالة من التناظر المثير للجدل، عندما يتعلق الأمر بمآلات كفاح شعوب المنطقة في سبيل حريتها واستقلالها.
اتسمت الانتفاضة الفلسطينية الأولى بحراك سلمي شعبي تقوده قيادة موحدة من الداخل، ترفدها قيادة الخارج، في حين مزجت الانتفاضة الثانية ما بين السلمية والعمل المسلح، تحت قيادة رسمية واحدة لم يكن حتى عرفات خارج دائرتها، ولو من وراء الكواليس، بينما تعتمد الهبة الشعبية الفلسطينية الحالية منهج الحراك السلمي مع مبادرات فردية، «حرب السكاكين»، وبعض الصواريخ التي أطلقت من غزة في البداية، في مشهد يتسم بالعفوية في جانب كبير منه، وتعارضه القيادة المتنفذة في السلطة والمنظمة. صحيح أن الشعب الفلسطيني لا يملك، في ظل همجية الاقتلاع والاحتلال، ترف الاختيار ما بين الأشكال النضالية المناسبة، التي من شأنها أن تسعفه في قلع شوكة الاحتلال وتحقيق أهدافه الوطنية المشروعة، ما يجعل من سائر تلك الأشكال، الكفاح المسلح، والكفاح السلمي، والدبلوماسية والمفاوضات، وسائل لا غنى عنها في كل الأحوال، لكن ذلك لا يعني أنه لا يملك زمام المبادرة في تحديد أشكال كياناته السياسية وأطره التنظيمية ومحاولة تغييرها على قاعدة التناغم ما بين الأداة القيادية والشكل النضالي المناسب لهذه المرحلة أو تلك، من مسيرة كفاحه الطويلة والمريرة، لاعتبارات تتعلق بخصائص القضية الفلسطينية وضروراتها أولا وأخيرا، وليس على قاعدة تجنب استثارة العدوان الصهيوني على حقوق الشعب الفلسطيني المتواصل منذ عقود، ضاربا عرض الحائط كافة الشرائع والأعراف والقوانين الإنسانية، وبالتالي، فإنه لا يحتاج لذريعة تأتيه من هنا أو هناك لمواصلة استراتيجيته في قضم تلك الحقوق، في ظل حالة غير مسبوقة من التخاذل العربي والتآمر الإقليمي والدولي.
لكن مرد حالة الجدل هذه يعود، في المقام الأول، إلى تخوف أوساط من النخبة السياسية التقليدية الفلسطينية من استثمار دولة الاحتلال لهذه الهبة الشعبية، في إحداث نقلة نوعية جديدة في مشروعها الاستعماري التاريخي في فلسطين، قد تطال هذه المرة، تغيير الخريطة الديموغرافية في الضفة الغربية عموما، وفي مدن بعينها فيها، مثل القدس والخليل على وجه التحديد، لا سيما أن هاتين المدينتين تقعان في عين عاصفة الخرافة الصهيونية، من حيث تمركز أماكن العبادة فيهما، ما يشكل نقطة انطلاق نظرية وعملية تتماهي، في أحد جوانبها، مع توجهات المشروع الصهيوني في فلسطين، مستندة بذلك إلى مجموعة لا يستهان بها من «المكاسب» العدوانية الهائلة، التي حققتها دولة الاحتلال فيهما منذ نكسة 1967 لجهة التهويد ومصادرة الأراضي وتضخيم الكتل الاستيطانية فيهما.
في غضون ذلك، تجد تلك الأوساط في مآلات الأحداث الساخنة في بلدان الجوار العربي، سندا يعزز رؤيتها ويدق ناقوس ذلك الخطر المقبل على إيقاع تزايد إمكانية تحقق التوجهات الديمغرافية الصهيونية في مراكز المدن الفلسطينية الكبرى، على أقل تقدير في هذه المرحلة، وبالتالي، فإنها تدعو إلى الحفاظ على الوضع القائم في الضفة الغربية كما هو، إلى أن تمر موجة التغييرات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، التي تنذر بدك البنية الجيوسياسية التي قامت عليها الكيانات السياسية في هذه المنطقة من العالم إثر الحربين العالميتين الأولى والثانية، لا بل أن أصحاب هذه الرؤية، الذين يذهب بعضهم إلى حد اعتبار الهبة الشعبية الفلسطينية تقدم ذريعة لدولة الاحتلال، وتوفر لها ما يلزم من مقدمات للمضي قدما في استكمال تحقيق أهدافها بعيدة المدى في الضفة الغربية، لا يترددون في استحضار المشهد الجيوسياسي عشية قيام الدولة العبرية، التي فصلت قارتي آسيا وأفريقيا عن بعضهما، وشكلت بؤرة لتفتيت المنطقة إلى دول ودويلات لا يمتلك بعضها حتى مقومات الدولة في حدها الأدنى.
استحضار ذلك المشهد فيه شيء من الوجاهة، فإن لم يكن الأمر كذلك، فما تفسير حمى التحالفات التي تجمع، في يومنا هذا على سبيل المثال، بين مختلف القوى الكردية وسائر مراكز القوى حول العالم، وما سر ذلك الدعم اللامتناهي لإعادة انشاء كيان سياسي كردي لن يرى النور الا بمعول مجموعة من التغييرات الجغرافية والديمغرافية والسياسية، التي تطال على أقل تقدير، أربع دول من دول المنطقة، أما ما يزيد من جرعة تلك الوجاهة ومن إمكانية قراءة أقرب إلى الواقع لمسارات الأحداث التي تعصف بالمنطقة، فيكمن في ذلك الخطأ الاستراتيجي المدمر المتمثل في عزل ملفات المنطقة بعضها عن بعض، والنظر إلى كل منها بصورة أنانية مستقلة لا تخلو من الغباء السياسي في بعض الأحيان، ما يشي بقراءة غير علمية لتلك المسارات بخيوطها الممسوكة مركزيا، ويضع جغرافية المنطقة وديموغرافيتها من جديد بين فكي مشروع آخر متمم للتقسيم، يتطلع أصحابه إلى ترسيخ نظام جديد لإدارة استغلال ثروات المنطقة وإعطاء الدولة العبرية جرعة جديدة من قوة هيمنتها على المسار التاريخي للأحداث في بلدانها.
وهكذا يبدو جليا أن دولة الاحتلال لن تفوت على نفسها فرصة استثمار هذا المناخ الاقليمي والدولي، الذي تمرر تحت مظلته تغييرات جغرافية وديمغرافية كبرى لن تكون التغريبتين السورية والعراقية سوى رأس الجبل الجليدي فيها، مثلما لن تبدو تغريبة فلسطينية جديدة غريبة على هذا المشهد المتواتر، طالما ظلت مراكز القوى العالمية، وفي مقدمتها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤهما الاقليميون، تحتكر أحقية رسم سياسياتها وصوغ توجهاتها مجتمعة وموحدة وتحرمها على قوى التغيير في المنطقة، التي بلعت الطعم وأصبحت تنأى بنفسها عن ضرورات لم الشمل وتنسيق الجهود، إن لم نقل الوحدة في مواجهة آلة التفتيت والتقسيم التي تفتك بمكونات بلدان وشعوب المنطقة حاجبة عن نفسها إمكانية رؤية ذلك الخيط الرابط بين مختلف قضايا المنطقة، سواء كانت تلك القضايا تدور في فلك حركات التحرر الوطني، أم في دائرة التحرر من الاستبداد والتوق إلى بناء الدولة الديمقراطية.
هذا الربط الموضوعي يستمد شرعيته وضروراته من مفردات سياسية، على الرغم من أفولها ظاهريا في المنظومة القيمية والتحليلية التي كانت سائدة قبل بزوغ فجر الربيع العربي، إلا أنها لا تزال تتمتع بكامل الحيوية والشباب في المشهد السياسي العربي الراهن، وذلك يتأتى من حقيقة تاريخية لا تزال قادرة على فرض نفسها على هذا المشهد، الذي لم تطرأ عليه أي تبدلات جوهرية تذكر منذ نشوء النظام الرسمي العربي، وقيام دولة الاحتلال على أنقاض الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينيتين، وبالتالي، فإنه من الطبيعي أن ينسحب هذا الربط على تداعيات زلزال الربيع العربي، الذي تمكنت قوى الاستعمار الحديث وأنظمة الاستبداد من الانقضاض على مخرجاته وتجييرها لصالح مشروعها القديم المتجدد، تحت راية حربها الزائفة على ما يسمى بالإرهاب، الذي تسعى الدولة العبرية جاهدة للانخراط في صفوف محاربيه، في إطار التحالف العربي الدولي المناهض له بوصفها أحد الأعضاء الطبيعيين في الأسرة الاقليمية الشرق أوسطية.
في هذا السياق، سياق فزاعة الإرهاب، الذي تحاول قوى الثورة المضادة الولوج منه لإعادة رص صفوفها والعودة إلى تصدر المشهد السياسي العربي، يمكن تفسير توق دولة الاحتلال وقطعان المستوطنين في الضفة الغربية والقدس إلى تسخين الحالة الفلسطينية بصورة متدرجة، تمهيدا لوسمها بالإرهاب أسوة بما يجري في محيطها العربي، بعد أن أصبحت صناعة هذا الارهاب موضة سياسية عارمة وسلاحا ناجعا في مواجهة قوى التحرر والتغيير في المنطقة والعالم، استعدادا للبدء في تنفيذ مرحلة جديدة، وربما شبه نهائية من عملية ترحيل الفلسطينيين عن بيوتهم وأراضيهم، على غرار ما تقوم به قوى كردية حليفة لنظام الاستبداد في سوريا وبالأدوات ذاتها وتحت راية الشعار عينه: محاربة الإرهاب.

٭ كاتب فلسطيني

باسل أبو حمدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية