تعتبر هيئة النزاهة في العراق هي الجهة الحكومية المسؤولة عن متابعة مدى الشفافية المتوفرة في دوائر الدولة وفي الأوضاع المالية للمسؤولين في الحكومة ومجلس النواب مع تحديد قضايا الفساد الإداري والمالي ومحاسبة الفاسدين والمقصرين وفق القوانين واحالتهم إلى المحاكم .
وتأسست الهيئة وفق قانون 55 لسنة 2004 وتعتبر احدى الهيئات المستقلة التي تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية في أداء عملها الرقابي على مدى نزاهة الأداء الحكومي، إضافة إلى الهيئات الرقابية الأخرى وهي هيئة النزاهة البرلمانية ومكاتب المفتشين العامين في الوزارات وديوان الرقابة المالية والإعلام .
وأبرز مهام وأعمال الهيئة هي متابعة ذمم المسؤولين الكبار في الحكومة والبرلمان لكشف أي زيادة غير طبيعية في مداخيلهم السنوية، وتهتم بمتابعة وكشف قضايا الفساد الإداري والمالي في دوائر الدولة، وتقوم الهيئة بالإعلان عن نتائج عملها من خلال تقارير سنوية ونصف سنوية تنشرها في وسائل الإعلام إضافة إلى بيانات تصدرها إلى وسائل الإعلام لإطلاع الرأي العام .
وكالمعتاد مع بداية كل عام، تعلن الهيئة عن المسؤولين الذين يقدمون ما في ذممهم المالية، وقد أعلنت هيئة النزاهة أن 572 مسؤولا حكوميا بينهم رؤوساء الجمهورية ومجلسي الوزراء والنواب وخمسة وزراء و11 مفتشا عموميا ومحافظ واحد، كشفوا عن ذممهم المالية لعام 2015.
وقالت الهيئة في بيان صحافي، إن «المسؤولين الذين كانوا السباقين عن كشف ذممهم المالية لعام 2015 في رئاسة الجمهورية هم الرئيس فؤاد معصوم ونائبه الأول نوري المالكي».
وأضافت أن «رئيس الحكومة حيدر العبادي ونائبه الأول بهاء الأعرجي بالإضافة ألى مدير مكتب رئيس الوزراء مهدي محسن اسماعيل خالد العلاق قدموا ذممهم المالية لعام 2015 عن مؤسسة مجلس الوزراء».
وتابعت الهيئة أن «رئيس مجلس النواب سليم الجبوري وعضو البرلمان حسن الشمري قدما كشفهما المالي لعام 2015 عن مؤسسة مجلس النواب» مبينة أن «الوزراء الذين قدموا ذممهم المالية لعام 2015 هم وزير الشباب والرياضة عبد الحسين عبطان ووزير السياحة والآثار عادل فهد شرشاب ووزير الهجرة والمهجرين جاسم محمد الجاف ووزير التعليم العالي والبحث العلمي حسين الشهرستاني ووزير الدفاع خالد العبيدي».
وأوضحت أن «رئيس هيئة النزاهة علاء جواد حميد والقاضي عزت توفيق جعفر والمدراء العامين ورئيس ديوان الوقف الشيعي صالح الحيدري ونائبه سامي المسعودي ورئيس ديوان الوقف السني محمود الصميدعي ورئيس الهيئة الوطنية للاستثمار سامي الأعرجي قدموا ذممهم المالية لعام 2015 ضمن الهيئات غير المرتبطة بوزارة». وبينت الهيئة أن العديد من المسؤولين الآخرين قدموا ذممهم كالمحافظين والمفتشين العموميين ورؤوساء الهيئات المستقلة .
ولفتت الهيئة إلى أن «العدد الكلي للمسؤولين الذين كشفوا عن ذممهم المالية لغاية الخامس من شهر كانون الثاني الحالي بلغ 572 مسؤولا».
ومن جانب آخر، كشفت هيئة النزاهة، ضمن عملها في متابعة الأموال العراقية المهربة إلى الخارج، انها فعّلت موضوع استرجاع الأموال المهربة مع وزارة العدل وهيئة المساءلة والعدالة وانه تم التفاوض مع بعض الدول من أجل استرجاع هذه الأموال، مشيرة إلى استجابة بعض الدول لمساعدة العراق في استرداد أمواله.
وقال مدير عام دائرة الاسترداد في هيئة النزاهة، محمد علي اللامي، ان «لدى العراق أموالا مهربة موجودة في عدد من الدول العربية والأجنبية وان سابقا» مضيفا ان هناك «صعوبة في معرفة قيمة الأموال المنهوبة في المصارف الأجنبية خاصة تلك المجمدة في المصارف أو المسجلة باسماء مستعارة، وأخرى على شكل عقارات وشركات وغيرها وتم الاستيلاء على معظمها وان النظام المصرفي فيها يمتنع عن كشف معلومات عن المتعاملين معه على الرغم من ان مجلس الأمن أصدر عدة قرارات بشأن تجميد أموال قياديي النظام السابق وعائلاتهم وان على الدول الالتزام بها».
وختم بالقول ان «العراق سيتسلم بقرار قضائي لبناني الأموال التي قامت باختلاسها قبل سنوات الموظفة في أمانة بغداد زينة والبالغة خمس مليار دينار عراقي». وضمن خطة الهيئة لاعداد كادر متخصص في مجال متابعة الفساد، فقد افتتحــت الأكاديميــة العراقيــة لمكافحــة الفســاد في التاســع مــن كانــون الأول/ديسمبر ســنة 2010
وقال الدكتور سالم محمد عبود المستشار وعضو هيئة التدريس في الأكاديمية، إلى «القدس العربي» أن الاكاديمية تهدف إلى إعداد كوادر متخصصة وكفوءة في مجال مكافحة الفساد، وأنها تعمل على وضــع برامــج تعليميــة وتدريبيــة لغــرض الإرتقــاء بــأداء موظفــي الأجهــزة الرقابيــة وزيــادة وعيهــم في مواجهــة ظاهـرة الفسـاد الإداري والمـالي، وبـث قيـم النزاهـة والشـفافية وإرسـاء أخلاقيـات الوظيفـة العامـة بالإعتمـاد عــلى التدريــب والتعليــم المســتمر كوســائل معتمــدة في هــذا المجــال، وكانــت الــولادة الحقيقيــة والقانونيــة للأكاديميــة العراقيــة لمكافحــة الفســاد باقــرار قانــون هيئــة النزاهــة رقــم 30 لســنة 2011.
ويشير الدكتور إلى عبود أن الأكاديميـة تعد الأولى مـن نوعهـا في المنطقـة العربيـة والإقليميـة حتـى الآن. كما أنها تأتي إسـتجابة لإتفاقيـة الأمـم المتحـدة لمكافحـة الفسـاد التـي وقـع العـراق عليهـا وأقرهــا بموجــب القانــون رقــم 35 لســنة 2007 . كما تحرص الهيئة على نشر ثقافة المشاركة الشعبية في مكافحة الفساد.
وقد قامت الهيئة باعداد أرقام هواتف ومواقع اتصال عبر الانترنت موضوعة في دوائر الدولة تدعو المواطنين إلى الابلاغ عن حالات الفساد والابتزاز وطلب الرشوة في دوائر الحكومة.
وبرغم جهود الهيئة إلا أن إنتقادات وجهت إليها من قبل بعض الجهات بوقوعها تحت تأثير القوى السياسية الكبيرة للتستر على بعض قضايا الفساد التي يرتكبها مسؤولون وقياديون في أحزاب متنفذة في الحكومة.
فقد اتهمت لجنة النزاهة النيابية، هيئة النزاهة بالتغاضي عما سمتهم بـ»الحيتان الكبيرة» وملاحقة الموظفين الصغار، داعية رئيس الوزراء حيدر العبادي، إلى متابعة عمل الهيئات المستقلة لاسيما هيئة النزاهة وتقييم كادرها.
وقال عضو اللجنة، عقيل الزبيدي، في بيان «سمعنا عن ملفات فساد كبرى في مفاصل الدولة المتعددة، لكننا لم نسمع عن أي نتائج تشير إلى حسم تلك الملفات ولعلها أغلقت».
وأضاف إن «هيئة النزاهة تركت الحيتان الكبيرة وبقيت تلاحق الموظفين الصغار ولم نعد نسمع عن عمليات نوعية تنفذها وكأننا نعيش في بلد يخلو من الفساد على الرغم من إن العراق ما زال يتصدر قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم».
وأوضح انه «وعبر متابعاتنا المستمرة ومقارنتنا للتقارير السنوية الذي تصدرها الهيئة وجدنا إن هناك انخفاضا كبيار في أدائها وعلى الأصعدة كافة، فقد انخفض مؤشر فتح الدعاوى الجديدة بنسبة أكثر من 70٪ في 2012 مقارنة مع 2011 واستمر الانخفاض في 2014.
وأشار الزبيدي إلى إن «هذا ينسحب على أوامر القبض وفتح الدعاوى الجزائية والاستقدام والإحالة لمحكمة المختصة. مستغربا في الوقت نفسه من حدوث هذا التراجع على الرغم من مضاعفة ميزانية هيئة النزاهة من 34 مليار دينار عراقي في 2011 إلى أكثر من 70 مليار في 2012 و 2014.
وأكد النائب على «ضرورة إعادة تقيم أداء هيئة النزاهة وكادرها المتقدم ومسائلة من يثبت تقصيره سواء في تنفيذه الواجبات المناطة به أم في تسييس الملفات واستغلال المنصب ومكافئة من يثبت حسن أداءه» داعيا رئيس الوزراء إلى «متابعة عمل الهيئات المستقلة لاسيما هيئة النزاهة منها وإعادة تقييم كادرها لان الفساد لا يقل خطرا عن الإرهاب».
وأكد عضو لجنة النزاهة النيابية، طه الدفاعي، عزم اللجنة على استضافة رؤساء الهيئات واللجان المختصة بمكافحة الفساد، وفتح جميع ملفات الفساد التي لم تحسم خلال دورة البرلمان الماضية وإحالتها إلى القضاء.
وكشف مدير عام دائرة التعليم والعلاقات العامة في هيئة النزاهة علاء الحسيني، السبت الماضي، عن وجود خطط سنوية وجدية لمكافحة الفساد في البلاد، مشيرا إلى ان هذا الهدف يعتبر ساميا بالنسبة إلى الهيئة لمكافحة الفساد في البلاد والقضاء على هذه الآفة الخطرة التي تهدد الشعب العراقي.
ويتفق المتابعون لموضوع الفساد في العراق على أنه أنتشر بشكل واسع في الدوائر الحكومية وتعقدت متابعته في ظل ظروف غير مستقرة أمنيا واقتصاديا واجتماعيا وفرت بيئة صالحة للفساد والمفسدين، بحيث أصبح مكافحة الفساد تحديا جديا لا يقل خطورة عن الإرهاب.
بغداد – «القدس العربي»: