في صباح السادس من آب/ أغسطس 1945 أسقطت الولايات المتحدة الامريكية ما أسمته ب» الصبي الصغير» لقنبلة نووية تزن أربعة أطنان ونصف الطن على مدينة هيروشيما اليابانية فأحدت تفجيرا يعادل عشرة الاف طن من المتفجرات فدمرت ما مساحته حوالي عشرين كليومترا مربعا من المدينة تدميرا كاملا، وقتلت ما يقارب المئة وخمسين ألفا من سكان المدينة عدا المصابين. وبقي هذا الحدث التاريخي في ذاكرة البشرية كأول استخدام لسلاح دمار شامل، وأول تهديد بالرعب النووي الذي بات يقض مضاجع البشرية بتهديدات متواترة من دول النادي النووي لبعضها بعضا.
في الخامس عشر من آذار/ مارس 2011 انطلقت شرارة الثورة السورية التي كانت كوقع الصاعقة على نظام سيطر على السلطة في سورية بانقلاب عسكري قاده حافظ الأسد في السادس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، أي بعد حكم دام واحدا وأربعين سنة متوارثا من الأب حافظ إلى الإبن بشار. خلال هذه الفترة من الحكم تحولت سورية من دولة « جمهورية علمانية تعددية « إلى جمهورية وراثية أحادية تقوم على اسس لا تمت بصلة إلى تاريخ سورية الحديث:
ـ العائلية: جعل عائلة الأسد عائلة القيادة السياسية « الأبدية « تحت شعار « الأسد إلى الأبد»
ـ الطائفية: تحويل الطائفة العلوية إلى طائفة السلطة عبر تمكينها بمفاصل الدولة، واللعب على الورقة الطائفية مع طوائف أخرى في مواجهة الأكثرية السنية في البلاد.
ـ الدولة البوليسية: عبر إنشاء ونشر الأجهزة الأمنية في المدن السورية والأرياف.التي باتت كمراكز تعذيب وقتل ممنهج لكل معارض للنظام.( السجون السورية: سجن تدمر وصيدنايا، وعدرا، والمزة، وكل سجون المدن المركزية وأقبية المخابرات تغص بالمساجين السياسيين).
ـ الهيمنة على اقتصاد الدولة والإثراء الفاحش للعائلة الحاكمة وأعوانها ( عائدات النفط السوري لم تكن تدخل الميزانية السورية، بل جيوب العائلة وأعوانها، واحتكار الاستيراد والتصدير ببعض الاسماء، والشركات الكبرى كشركة الاتصالات والتي انحصرت تحديدا ببعض الاسماء التي باتت معروفة للقاصي والداني).
ـ إلغاء التعددية الحزبية عبر مقولة «الحزب القائد» وانشاء ما سمي بالجبهة التقدمية التي تضم فتات أحزاب جيرها النظام لحسابه ( تم حظر احزاب سياسية كحزب الاتحاد الاشتراكي، وحزب الاشتراكيين العرب، وكل الاحزاب الشيوعية المنشقة عن الحزب الشيوعي «البكداشي» الموالي، وحزب الاخوان المسلمين).
ـ السيطرة على هيئات وأنشطة المجتمع المدني بتحويلها إلى هيئات حزبية تابعة لحزب البعث الحاكم.
ـ السيطرة التامة على وسائل الاعلام والنشر التي تحولت إلى أبواق بروباغندا للنظام.
ـ انشاء وحدات عسكرية موازية للجيش الوطني ( سرايا الدفاع، سرايا الصراع، الحرس الجمهوري، ومجموعات مسلحة هجينة التكوين اصطلح السوريون على تسميتها بالشبيحة).
ـ لعب دور إقليمي عن طريق السيطرة على الورقة الفلسطينية والورقة اللبنانية ( تم شق الصف الفلسطيني فالتحقت قوات احمد جبريل، والجبهتان الشعبية والديمقراطية، وحماس بالنظام السوري، واليوم فصائل جبريل تقاتل مع قوات النظام وتقتل بالسوريين ).
ـ إقامة هدنة غير معلنة مع اسرائيل لضمان استمرارية الحكم إرضاء لأمريكا.
ـ التحالف مع أيران ضد العراق المهدد للنظام ( قام النظام بدعم ايران في حربها مع العراق، وبالتحالف مع أمريكا ضد نظام صدام حسين)
ـ ضرب أي حركة ثورية في المنطقة ( ضرب المقاومة الفلسطينية في لبنان، والحركة الوطنية اللبنانية، ودعم حركات موالية كحركة أمل، وحزب الله، والحزب القومي السوري، الانقلاب على حزب الكتائب الذي قام بطلب دخول الجيش السوري إلى لبنان).
ـ اعتماد خطة الاغتيالات السياسية لكل سياسي يهدد بطريقة أو بأخرى النظام في سورية ( القائمة طويلة بالشخصيات التي قام باغتيالها من سوريين ولبنانيين وفلسطينيين، وحاول ايضا اغتيال شخصيات اردنية)
خلال فترة العقد الاول من حكم الاسد بدأ الصراع الدموي بين حزب الاخوان المسلمين والنظام ما أدى إلى مجزرة سجن تدمر وعدة مجازر في أكثر من مدينة، ثم مجزرة حماة الكبرى مع تدمير المدينة وقد بلغ عدد الضحايا خلال هذه الفترة حوالي أربعين الفا مع تدمير نصف مدينة حماة. أما خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات فقد تصاعدت المواجهة بين النظام والاحزاب السياسية السورية وخاصة الشيوعية المنشقة، والاشتراكيين العرب، والاتحاد الاشتراكي، وإعضاء حركة ٢٣ شباط. وتمت تصفية بعض القيادات واعتقال آلاف الأشخاص منهم ما قتل تحت التعذيب.
مع تولي بشار الابن الوريث للحكم في سورية لم يحصل أي تغيير في طبيعة النظام بل على عكس ذلك تفاقمت القبضة الأمنية وتصاعدت وتيرة الاعتقالات والتضييق أكثر على الحريات، وتفشي ظاهرة الفساد بشكل أكبر.
مع اندلاع الثورة في الخامس عشر من آذار رفض النظام الاستبدادي أي عملية إصلاحية طالب بها المنتفضون في البداية وبدأ قمع المظاهرات بالرصاص، وخلال سبع سنوات من الثورة تقريبا والمواجهات بين النظام وكل القوى المناهضة له فقد وصل عدد القتلى من السوريين حوالي نصف مليون قتيل حسب المرصد السوري لحقوق الانسان، وحسب المركز السوري لبحوث السياسات الذي صدر العام 2016 فقد تم اختفاء 117الف شخص منذ اندلاع الثورة، منهم13ألفا تم شنقهم وإحراق جثثهم في سجن صيدنايا حسب امنيستي انترناسيونال، وأحد عشر ألفا قتلوا تحت التعذيب في فرع مخابرات واحد حسب تقرير قيصر. وتقدر منظمات انسانية ما مجموعة حوالي مليوني جريح. وبحسب لحنة الامم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا الاسكوا فقد تم تدمير مليون ونصف المليون منزل، وقدرت تكاليف اعادة البناء بحوالي مئتي مليار دولار على مدي عشرين سنة. هذا عدا النازحين الذين فاق عددهم العشرة ملايين، واللاجئين خارج سورية الستة ملايين سوري. وتقدر بعض الاوساط العسكرية أن حجم التدمير في سورية من جراء القصف بالمدفعية والصواريخ والطائرات السورية والروسية والبراميل المتفجرة قد فاق حجم تدمير قنبلة هيروشيما بأضعاف، يضاف إلى هذا وذاك استخدام الاسلحة الكيميائية في أكثر من موقع وهذا ما أكده تقرير الامم المتحدة. ورغم كل ذلك يسعى اكثر من طرف عربي ودولي إلى إعادة تأهيل هذا النظام، وتعويم قاتل الشعب السوري بشار الاسد.
كاتب سوري
رياض معسعس