هيلين فندلر المتربعة على عرش نقد الشعر: القصيدة فنّ العامة وليست امتياز النخبة

حجم الخط
0

باريس – «القدس العربي»: في ظلّ اعتكاف الناقد الأمريكي هارولد بلوم بعيداً عن نقد الشعر، وانخراطه في تحرير الكتب أو الاهتمام بالتاريخ الأعرض للموروث الأدبي الغربي، وربما اغترابه بعض الشيء عمّا يُنتج من أدب معاصر وما بعد حداثي؛ ليس من المبالغة القول إن مواطنته هيلين فندلر هي، اليوم، أفضل من يمارس نقد الشعر، في اللغة الإنكليزية على الأقل. إنها، بين حفنة أسماء أخرى، تؤمن أن الشعر لا ينبغي أن يظلّ مخفياً أو خافياً، وعلى القرّاء أن يتنبهوا إليه كفنّ رفيع أولاً، ثم أن يدركوا جيداً ما يخسرونه من متعة فريدة جرّاء ترك هذا الفنّ للنخبة. وهي لا تتردد، رغم صرامتها الأكاديمية، في الترويج للشعر بوصفه إكسيراً خطابياً قادراً على مداواة الاعتلال الجمالي أو النفسي أو الروحاني: «إذا كنتَ في حال من الحيرة، أو الحزن، أو الضنك، أو التيه، أو الذهول… فتّشْ لنفسك عن قصيدة تلائم ما أنتَ فيه وما تشعر به»، تكتب فندلر، التي تؤمن بقوّة أنّ الشعر «تحليلي بقدر ما هو تعبيري، والقصيدة تميّز، وتعيد بناء، وتعيد توصيف ما يكشفه الشعر ويكتشفه في الدواخل العميقة للحياة».
وقبل أيام تفاخرت مطبعة جامعة هارفارد بأنها كانت، سنة 1963، أوّل من نشر كتاباً للناقدة الشابة، يومذاك، وكان عن الشاعر الإرلندي الكبير و. ب. ييتس، مستنداً على أطروحتها في الجامعة ذاتها. واليوم تحصي الدار قرابة 24، من أصل 31 كتاباً من اعمال فندلر، انفردت الدار بنشرها؛ وكان أحدثها كتاب «المحيط والطائر والباحث»، الذي ضمّ حصيلة عقدين من المقالات، حول شعراء محدثين من أمثال والاس ستيفنز، شيموس هيني، جون أشبري؛ وآخرين سابقين، من أمثال لانغستون هيوز، ألن غنسبرغ، روبرت لويل، أليزابيث بيشوب، وجيمس ميريل؛ فضلاً عن كيتس، ييتس، ويتمان، إليوت، وآخرين.
وفي هذه المناسبة عقدت فندلر حواراً مع طلاب الجامعة، حول موروثها النقدي، توقفت خلاله عند ضيقها، أيام الدراسة، بنظام في نقد الشعر يبدأ من فرضية قاطعة مفادها أن القصيدة تنطوي على تصريح ما، أو بيان؛ كأن تحتج على حرب، أو تحزن على فقيد. وأمّا هي فقد عوّدت ذائقتها على عدم طرح السؤال التقليدي: «ما معنى هذه القصيدة؟»، مقابل سؤال أهمّ وأجدى: «كيف كُتبت هذه القصيدة؟». ومن جانب آخر، شدّدت فندلر على أنّ الشعراء أشدّ مزاجية، وتمايزاً، من أن يُجمعوا تحت أيّ سقف تصنيفي، مهما كان بسيطاً؛ وأنّ النقد المسيّس أشدّ تعسفاً من أن ينصف شيموس هيني، أو أنّ النقد الميتافيزيقي أضعف أدوات من أن يسهّل قراءة إميلي دكنسون عند القارىء العريض.
وفندلر ناقدة موضوعية متأنية، صارمة وقاسية وحاسمة في الآن ذاته، لا تخجل البتّة من منح القراءة الذاتية الانطباعية فسحة واسعة حرّة، منطلقة في ذلك من قناعتها بأنّ قراءة الشعر تجربة شخصية وفردية ووجدانية أحادية أولاً. وفي كتابها «تقول الروح»، رَوَت تجربتها القرائية الشخصية مع النسق الغنائي، وأوضحت أن نجاح الموضوع الغنائي في تفادي الفخاخ الاجتماعية للنثر يجعله أقرب إلى «صوت الروح نفسها»، ويسمح لنا بالتماهي التام مع ضمير المتكلم. وحين كانت في مقتبل العمر، متلهفة على معرفة المزيد عن العالم، شعرت فندلر أنه «إذا كان الشاعر مُنتبَذاً، فإنها منتبَذة كذلك. وإذا تحسّر على وطنه، تحسرت هي بدورها على وطن سوف تفقده، وإذا كتب أودن عن درع آخيل، شعرت هي أن هوميروس ملْك يديها مثلما هو ملك أودن». وتقول، بلا حرج أكاديمي: «لقد عرفتُ الكثير عن الإمكانيات المستقبلية في حياتي الداخلية من خلال الشعر الذي يبدأ من غنائية العالم».
في كتابها «مستمعون لا مرئيون: الحميمية الغنائية عند هربرت، ويتمان، وأشبري»، أثارت فندلر مسألة نقدية مفاجئة حقاً، اختصرتها الأسئلة التالية: ما الذي يدفع الشاعر إلى إقامة حال من الحميمية الشخصية العميقة، مع جمهور متخيَّل لا مرئي؟ لماذا يجهد لتوجيه القصيدة، جزئياً أو كليّاً، إلى مستمع خفيّ لا يعرفه الشاعر، بل لا يستطيع إبصاره أيضاً؟ لماذا، في الأمثلة التطبيقية، يتوجه جورج هربرت (القرن السابع عشر) إلى الله، ويتغنّى والت ويتمان (القرن التاسع عشر) بالقارئ أليف المستقبل، ويحيل جون أشبري (معاصرنا) إلى رسّام يصوّر الماضي؟ واستطراداً، ما الذي في وسع القصيدة أن تضيفه، وفي مقدورنا نحن القرّاء أن نكسبه، من خلال هذه الحميمية بين الشاعر المرسِل والعنوان المرسَل إليه؟ وأيّة خصوبة إضافية، أو ربما استثنائية، تمثّلها حقيقة أنّ تَخاطباً كهذا لا يمكن إلا أن يكون غنائياً بفضيلة الضمير الواحد، المتكلم غالباً، وشيوع الوجدان وطغيان العاطفة وفيوض الذات؟
الكثير… الكثير… الكثير، تؤكد فندلر في هذا الكتاب الوجيز (144 صفحة)، لأنّ تلك العلاقة المتخيَّلة الغريبة مع مستمع لامرئي (إما لأنه مقدّس، أو لأنه كامن في المستقبل، أو لأنه قضى منذ زمن طويل) يمكن أن تنطوي على محفزات نفسية وعاطفية وجمالية بالغة القوّة والثراء؛ تدفع قارىء القصيدة إلى اجتراح مخاطَبات مماثلة يقيمها بنفسه ولنفسه مع آخر لامرئي، يشبع على هذا النحو أو ذاك حاجة التواصل الإنساني، وعبر وسيط جبّار غير مألوف هو الشعر. العلاقة الحميمية مع اللامرئي هي علاقة حميمية مع الأمل، وقراءة القصائد التي تنشّط هذا النوع من التراسل ترتقي بذائقتنا، وتدنينا أكثر فأكثر من تلك المصافّ الأرقى التي يروم الأدب تأصيلها أو تمثيلها: المثال المحال، أو القيمة الأعلى، أو النمط الحلمي…
وفي «المُعطى والمصنوع» وسّعت فندلر موقفها من الغنائية، فاعتبرت أنها «نصّ مكتوب لكي يقوم القارئ بأدائه. وحالما يتوغل هذا القارئ في الغنائية، فإنه بذلك يكفّ عن دوره كقارئ، ويصبح الناطق بالقصيدة، المردِّد لكلماتها، الصانع للمزيد من مشاعرها ومعانيها». وفي كتابها «إنقطاع الأسلوب» تابعت الموقف ذاته من الغنائية على صعيد آخر (أدهى وأخطر) هو الأسلوب، الذي تسمّيه «الجسد المادي للشعر»، نائية بذلك عن الاستعارة المعتادة التي ترى في الأسلوب ثوباً خارجياً.
أعمالها عموماً تتابع هذه التقاليد في دراسة الشعر بوصفه فنّ العامّة وليس امتياز النخبة، خصوصاً وأنّ مشاع البشر ـ وليس الصفوة ـ هم الأكثر عرضة لحال العزلة التي تدفع الشاعر إلى تأسيس صلات حميمية مع خلّ وفيّ غير مرئي، وبالتالي مع عالم حافل صاخب هادىء رتيب قاسٍ ورحيم في آن معاً. وليس غريباً أن فندلر تبدو مفتونة بهذين السطرين من الشاعرة الأمريكية إميلي دكنسون: «هذه رسالتي إلى العالم/ الذي لم يكتب لي قطّ»!.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية