عندما يولد طفل في عرابة، المدينة التي يعيش فيها 21 ألف شخص، يقومون برميه إلى الحائط، واذا التصق بالحائط فهذا يعني أنه سيكون قصّر في مهنته، واذا سقط فسيزداد العدد. ولكن في السنوات الاخيرة طرأ تغير على هذا الاعتقاد. فهم يقومون ايضا بشراء أدوات الطبيب مع الحفاضات على أمل أن تستيقظ جينات الطب لديه اثناء الليل.
يتبين أن عرابة هي مصنع لانتاج الاطباء. فهذه المدينة تحتل المكان الاول، ليس فقط في إسرائيل بل في العالم، في عدد الاطباء قياسا بعدد السكان. ويوجد هناك في الوقت الحالي 250 طبيبا تقريبا. وبالمناسبة، عدد الاطباء الكبير هو ميزة الوسط العربي. الصهاينة القدامى خططوا للعرب مصير الحطابين ومستخرجي المياه. وبسبب خطأ في القيادة حصلوا على الاطباء. وهذا هو الوقت المناسب لاقامة لجنة تحقيق رسمية.
في الوقت الحالي إذا خطر ببالك الحصول على سكتة قلبية، فليس هناك مكان أفضل من عرابة. ومن اجل الوصول يجب عليك الحصول على «تأشيرة» المتهكم نضال بدارنة الذي يعمل بالطريقة التالية: «إحذر، هناك حفرة في منتصف الطريق، طريق ترابية، حفل زفاف في الشارع، إستدر». بدارنة هو ايضا من عرابة، ومن الغريب أنه ليس طبيبا.
قبل أن يقفز الجين الديماغوجي لنتنياهو ويبدأ بالتفاخر بنا، من المهم القول إن اغلبية الاطباء العرب في إسرائيل درسوا في اوروبا وفي الاردن. فهم هناك يستقبلون العرب بصدر رحب، العرب الذي ترفضهم دولتهم، مرة من خلال رفع سن القبول للدراسة ومرة من خلال امتحان البسيخومتري الذي لا يلائم نمط حياتهم. ومن الجيد أن هناك عالم في الخارج ليس فيه بنيامين نتنياهو، الذي يعتبر هؤلاء الشباب تهديد ديمغرافي. وشكرا لاوروبا التي تعلمت درسا من ماضيها، وشكرا جزيلا للاردن الذي يرزح تحت عبء اللاجئين، لكنه لا يترك أبناءنا ويُعيدهم أطباء جاهزين لعلاج العرب واليهود معا. قبل عشرات السنين، على خلفية دعم الدول الاشتراكية لتعليم الاطباء العرب من إسرائيل، بوساطة الحزب الشيوعي، قام الجين العنصري بايجاد امتحانات قبول يصعب القول إن من وضعها يستطيع النجاح فيها. إسرائيل تقوم برمي أولادها العرب للعالم، وعندما يعيدهم العالم مع الشهادات، يُريهم الجين العنصري من هو رب البيت هنا. وهناك من يعملون منذ عشرات السنين على الغاء هذه الأوامر التعسفية.
يوجد للدولة جين آخر في جعبتها وهو الجين الالتفافي على العرب، حيث توجد مراكز سكانية عربية مع الكثير من الاطباء والممرضين. ومع ذلك لا توجد مستشفيات حكومية. فلماذا لا تعطي مدينة سخنين عشرات الدونمات من اراضيها التي تمت مصادرتها، من اجل اقامة مركز طبي لجميع السكان في الشمال؟ وكيف حصل أنه في المدن العربية بالتحديد لا توجد مستشفيات حكومية، رغم أن هذه المدن تقوم بانتاج الاطباء الذين تحتاجهم الدولة؟.
على خلفية التهاني الكثيرة التي تغرق الشبكات الاجتماعية للاطباء الجدد، أتذكر الايام البعيدة عندما كانت أمي، رحمها الله، تأخذني إلى عيادة صندوق المرضى في الناصرة (لم تكن في حينه عيادة في يفيع). وكان جميع الاطباء هناك اطباء يهود، عالجوا العرب باخلاص. وقد اعتدنا على الوصول إلى العيادة في الساعة السادسة صباحا من اجل حجز الدور. وكان يتجمع الكثير من النساء من حولنا (الرجال كانوا يذهبون إلى المركز بسبب مصدر الرزق). وقد تحولت ساحة العيادة إلى مكان يضج بالحياة والنميمة والاحاديث الشرقية. وكانوا النساء يأتين إلى العيادة يوميا بسبب كثرة الاولاد والامراض. ويجدر القول ايضا بأنهن جئن من اجل التسلية. ويُقال إن أم حسن لم تأت إلى العيادة ذات مرة، وعندما سئلت عن السبب أجابت «لقد كنت مريضة».
أسماء الاطباء اليهود في المركز هناك ما زالت تدوي في رأسي: الدكتور ليفي والدكتور شعيم (حتى لو لم يكن الاسم صحيحا، فهذا ما أذكره). واذا كان هناك ما يبعث على الأمل في التعايش المشترك في هذه البلاد فهو ما قام به الاطباء اليهود في تلك الايام، الذين وضعت الأم العربية أبناءها بين أيديهم بدون أي تردد.
هآرتس 27/3/2017