في العقود الأخيرة تطور انكار الكارثة إلى ابعاد استثنائية ومقلقة. فليس فقط الدول المعادية لإسرائيل هي التي تهتم بذلك، بل تيارات اجتماعية مختلفة في العالم الغربي تطور اشكالا جديدة ومقلقة حول انكار الكارثة. وفي الوقت الذي كانت فيه الصيغة القديمة لهذه الظاهرة هي انكار حقيقة الأحداث والعدد والتشكيك بحقائق تاريخية، قامت وصفات جديدة أكثر دقة تشوه ذكرى الكارثة، مع تحويل الضحايا إلى اللاعب الشيطاني في الرواية التاريخية.
الطريقة الاكثر انتشارا لتشويه التاريخ تسمى لدى باحثي ما بعد الكارثة «الانعكاس». حسب المنطق فإن الجيش الإسرائيلي يتم تصويره على أنه الشكل الحديث للفورماخت والفلسطينيون يرتدون ملابس الأسرى وغزة ما هي إلا غيتو متجدد يقوم اليهود بتجويع الفلسطينيين فيه عن قصد.
على خلفية هذا الواقع بالتحديد، الذي تواجه فيه إسرائيل جبهة دعائية قوية، يأتي يوم الذكرى الدولي للكارثة كأحد النجاحات الدبلوماسية النادرة لدولة إسرائيل في السنوات الاخيرة.
الاعلان عن الاعتراف بهذا اليوم تم بالاجماع في العام 2006، وبقرار ممتاز يقول إنه اثناء الحرب العالمية الثانية تم قتل ثلث الشعب اليهودي من قبل النازيين، اضافة لبعض الاقليات. باجماع نادر وقعت على القرار مئة دولة في العالم، منها دول ليس هناك اشتباه بصداقتها وقربها من إسرائيل.
إلا أن النجاح الدبلوماسي يجبرنا على وضع معايير اخلاقية، لم ننجح دائما في ترجمتها. رسالة هامة تختفي وراء يوم الذكرى للكارثة في تاريخ 27 كانون الثاني. وهو اليوم الذي دخلت فيه قوات الجيش الاحمر إلى اوشفيتس وحررت من بقي في المعسكر. وايضا المؤيدون المتحمسون من اسطورة تمرد الغيتو الذين يتفاخرون وبحق بالحرب الاستثنائية للشباب والشابات في حركات الشبيبة الصهيونية أمام جنود الـ اس.اس، لا يمكنهم تجاهل حقيقة أن العالم الحر الذي تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا من الغرب والسوفييت من الشرق، هو الذي أنقذ من تبقى من اليهود.
في رسالة احياء ذكرى يوم الكارثة الدولي، لدينا التزام آخر أكثر عمقا وأكثر صعوبة. مثلما يقوم الآخرون باحياء التراجيديا الخاصة بنا، فمن واجبنا أن نعترف بتراجيديا الآخرين. ابادة الأرمن التي تمت من خلال المذابح الجماعية، من خلال طردهم وقتلهم على أيدي السلطات التركية في فترة الحرب العالمية الاولى، حيث قتل مليون ـ مليون ونصف أرمني اضافة إلى الآشوريين واليونانيين على أيدي تركيا التي سعت إلى التطهير العرقي في آسيا الصغيرة. ترددت إسرائيل الرسمية وما زالت في هذا الامر، الذي هو بمثابة «كارثة للآخرين».
بخطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء، يوجد حراك ما في سياسة إسرائيل. ومنذ الغاء عرض فيلم وثائقي في العام 1989 حدثت تغييرات. ولكن اقوال شمعون بيرس عندما كان وزيرا للخارجية في العام 2001 ما زالت مدوية ولا تضيف الاحترام للدبلوماسية الإسرائيلية. «الأرمن»، قال بيرس، «تعرضوا لتراجيديا وليس للتطهير العرقي».
وبعد ذلك بسنتين تم الطلب من نعمي نلبديان، التي أشعلت الشعلة، وهي ممرضة في مستشفى هداسا، أن تشطب من خطابها ابادة شعبها التي أرادت التذكير بها. ولشدة العبث، بعد سنة على اعتراف أمم العالم باليوم العالمي للكارثة في الكنيست، تم الغاء اقتراح نقاش ابادة الأرمن.
إن يوم 27 كانون الثاني بالنسبة لنا هو فرصة جيدة، ليس فقط فرصة لنشكر العالم الذي رغم عدائه لنا، مستعد للاعتراف بالضحية التي هي جزء من تاريخنا، بل هي فرصة ايضا لحساب النفس واتخاذ قرار واضح وحاسم بأننا نعترف بكارثة الآخرين، بدون الاعتبارات السياسية.
إسرائيل اليوم 26/1/2017