واجهت تحديات كثيرة وتمر اليوم بأهم مراحلها: الرواية اليمنية: 220 عملا في 90 عاما

حجم الخط
0

صنعاء ــ «القدس العربي» أحمد الأغبري: ما بين رواية «فتاة قاروت» الصادرة لأحمد السقاف عام 1927 في إحدى جزر إندونيسيا و«نزهة كلب» الصادرة لريان الشيباني في شباط/ فبراير عام 2017، (90) سنة هو تاريخ الرواية في اليمن حتى اليوم، صدر خلاله، في حال تجاوزنا الخلاف حول البداية التاريخية، زهاء (220) رواية، وفقاً لبيبليوغرافية حديثة للباحث زيد الفقيه.
وعلى الرغم من البداية المبكرة للرواية في هذا البلد، إلا أنه لم يصدر منها حتى نهاية عقد ستينيات القرن الماضي، سوى بضع روايات، لم ترق في النوعية، لدرجة يكاد الجميع يتفق أن ما صدر في العقد التالي وهو السبعينيات قد مثّل البداية الحقيقية لهذه الرواية في اعتمادها على الأشكال والأدوات الحديثة، ذلك من خلال ما أصدره محمد عبد الولي، خاصة رواية «يموتون غرباء» عام 1971 و«صنعاء مدينة مفتوحة» عام 1978، كما مثّل زيد دمّاج في عقد الثمانينيات امتداداً للمرحلة نفسها، مع الاختلاف التقني والموضوعي، وهو ما عبّرت عنه رواية «الرهينة» عام 1984. ومع انتهاء عقد التسعينيات كان اليمن قد أصدر في القرن العشرين، وخلال أكثر من سبعين سنة نحو (59) رواية وفق الباحث عبد الرحمن أبو طالب، ولم تحظ منها باهتمام لافت في الدراسات والترجمات تقريباً سوى أعمال عبد الولي وزيد دمّاج. ربما يُمثّل العقد الأول من الألفية الراهنة المرحلة الثانية في تطور الرواية اليمنية كماً ونوعاً، حيث صدر في العقد ونصف الأخيرين ما يُقارب ضعفي ما صدر في القرن الماضي. وعلى الرغم من وصول الرواية اليمنية الصادرة في السنوات الأخيرة إلى مستويات متقدمة في المنافسة على الجوائز العربية بما فيها «البوكر»، إلا أن ما صدر منها، حتى اليوم، مازال قليلاً جداً، كما أن مساحة انتشارها لا تزال محدودة، مقارنة بما أصدرته وتحققه بلدان مجاورة. في هذا التحقيق نحاول الاقتراب من كتّاب ونقاد يستعرضون رؤيتهم للرواية اليمنية في لحظتها الراهنة.

الكاتب اليمني وحال التشرد والخوف

يرى محمد الغربي عمران الروائي ورئيس نادي القصة اليمنية أن ازدهار وتطور الرواية يبقى محكوماً بعددٍ من العوامل، أهمها المناخ العام الذي يقف وراء استشعار الكاتب لأهمية بناء ثقافته وخلفيته النقدية والانطلاق منهما في الانفتاح على الجديد والاشتغال عليه تقنياً، والاستفادة من التراكم في تطوير إمكاناته وأدواته، انطلاقاً من وعيه بإن الرواية تختزل ثقافة الشعب، هذه العوامل يأتي في مقدمتها، الاستقرار المعيشي وشيوع ما يُعرف بـ(الأمن الإبداعي)، وعليه فالمناخ العام غير المستقر يؤدي إلى الإقلال ويحول دون تواصل الإصدارات، مدللاً بما شهدته الرواية من تطور وحضور في بعض بلدان شبه الجزيرة العربية، على الرغم من تأخر ظهور الرواية فيها مقارنة باليمن، حيث انعكس تمتعها، في السنوات الأخيرة بأوضاع معيشية مقبولة، انتعاشاً روائياً، بينما تأخر اليمن، الذي شهد في العقد ونصف الأخيرين ما يمكن أن نطلق عليه تطوراً كماً ونوعاً، إلا أنه بفعل تدهور أوضاع البلد في العامين الأخيرين، تدهور صدور الرواية، حتى بتنا لا نجد في البلاد دار نشر واحدة، ولا أي مظهر من مظاهر التثاقف كالمعارض، وصولاً إلى انعدام الصحف والمجلات، فما تشهده الرواية في اليمن هو أمر طبيعي.. فحال الكاتب في اليمن أقرب إلى التشرد والخوف.

غياب الحركة النقدية

وبالنظر إلى المتابعة النقدية، يرى الشاعر والناقد عبد الرحمن مراد، أن الرواية في اليمن تفتقد إلى حركة نقدية، وبالتالي لم تجد مَن يقوّم أخطاءها ويسوّق نتاجها، علاوة على افتقار المشهد اليمني إلى مؤسسات ودور نشر كبيرة، تسوّق المبدع وتصل بصوته إلى أبعد مدى بما يحفزه على الاستمرار، وهو الدور الذي تجاهلته أيضاً المؤسسات الأكاديمية للأسف، لدرجة أن معظم الدراسات والرسائل والبحوث الجامعية في اليمن مازالت تذهب لأسماء وأعلام كبار ولا تُجاري المنتج الروائي المحلي، بمعنى أنه بدون حركة نقدية مواكبة لا يمكن الحديث عن ملامح نوعية متميزة في الرواية اليمنية، التي في أغلبها متأثرة أكثر منها مبتكرة.

أزمة نشر وأزمة قارئ

ويضيف رئيس اتحاد الناشرين اليمنيين السابق ورئيس دار عُبادي للنشر في صنعاء نبيل عُبادي، إن معظم ما أصدرته الدار من روايات في السنوات العشر الأخيرة هي لأسماء مغمورة، أغلبها يفتقد لعناصر العمل الروائي الحقيقي، وهذا أمر طبيعي في واقع غير مستقر وحركة نشر لا تواكبها حركة نقدية تقول كلمتها فيه. فمعظم هذه الإصدارات أقرب إلى القصة الطويلة منها إلى الرواية. كما نفى عُبادي أي علاقة للناشر بمشكلة الرواية اليمنية، مع الإقلال والانتشار، باعتبار المشكلة مرتبطة بإيصال الكِتاب إلى القارئ، مؤكداً أن ضعف آلية التوزيع يمثل معوقاً كبيراً، محملاً المؤسسة الثقافية الحكومية جزءاً من المسؤولية، كونها لا تدعم التعريف بالثقافة اليمنية، من خلال المعارض ومكتبات السفارات اليمنية، بالإضافة إلى عدم وجود قارئ محلي يستطيع أن يتكئ عليه الناشر، وهذه مشكلة أخرى، مُدللاً على ذلك بأن كثيرا من الروايات اليمنية الصادرة عن دور عربية لم تحقق حضوراً حتى محلياً، سوى رواية «الرهينة»، وذلك لوجود توجه سياسي مصاحب، أو روايات علي المُقري لتناولها موضوعات مسكوت عنها، مشيراً إلى أن القارئ، خاصة المحلي، لا يحرص على قراءة إلا ما أثار ضجيجاً إعلامياً.

معاناة الكاتب

وفي ظل أزمة النشر والتوزيع يتحمل الكثير من الكتاب، بل ويعاني من جرّاء ذلك، هذا ما يفسّر إصدار الكاتب سامي الشاطبي في السنوات الماضية لعدد من الروايات لم تحظ بحضور وانتشار كما كان ينشد، كونه كان يطبع على نفقته الخاصة نسخا قليلة يبيع بعضها للمراكز البحثية والبقية إهداءات، لأن الناشر المحلي لا يقبل أن يتحمل تكاليف الطباعة، في ظل غياب التوزيع، ومع غياب أي دور حكومي يخفف من وطأة هذه المشكلة، وهو ما يضاعف من معاناة الكاتب. إلا أن الشاطبي مثل روائيين يمنيين شباب آخرين، استطاع خلال فترة الحرب ومع توقف دار النشر المحلية الوحيدة، أن ينشر في القاهرة بنسبة تتجاوز ما كانت عليه علاقته بسوق النشر العربية قبل الحرب، وتكاد القاهرة هنا تتجاوز بيروت في ما صدر فيها من عناوين الكتاب اليمني خلال فترة الحرب الراهنة في اليمن.

حقيقة المشهد الروائي اليمني

من جانبه يرى الناقد أحمد ناجي النبهاني، أن مشكلة الإقلال في الإصدار قد يكون مرجعها حرص الكاتب على الإتقان، كما أن قلة الإصدارات وعدد الكُتّاب لا يمكن الاعتداد به كمشكلة، لأن القِلة لا تعني عدم وجود رواية يمنية نوعية ومواكبة. فالمشكلة تكمن في ظروف البلد، التي لا يمكن أن تقدم صورة مكتملة عن حقيقة المشهد الإبداعي اليمني، الذي هو أثرى من المشهد السياسي، حيث تزخر اليمن بروائيين أسهموا وأثروا الإبداع الروائي، منهم أسماء كبيرة، ويكفي أن تقرأ رواية «أرض بلا سماء» لوجدي الأهدل لتكتشف مواكبة الرواية اليمنية للتطور العالمي في الرواية الأوروبية. واعتبر النبهاني أن تحقيق الحضور والانتشار يحتاج إلى مؤسسات، وهو ما يتحقق مع أسماء يمنية تصدر حالياً رواياتها، وصارت تنافس على جوائز كبيرة بما تتمتع به من حرفية وتقنية عالية.

تميّز الرواية اليمنية

ومع طرح النبهاني يتفق الكاتب والروائي مُنير طلال، مؤكداً وجود تميز في الروايات اليمنية منذ ظهورها، حيث كانت الرواية اليمنية حاملة لهموم الشعب، معبرة عن حقه في الحياة الكريمة، كما ناقشت الظلم الذي يرزح تحت كاهله من آثار الإمامة والاستعمار، ثم ظهرت الرواية الاجتماعية بالإضافة إلى أنواع أخرى من الروايات كالبوليسية والغرائبية والتاريخية ورواية النشء، وهو تنوع يعكس قدرات الأديب اليمني، فأغلب الأعمال الروائية اليمنية ذات مستوى فكري وأدبي جيد يُقارب ما ينتجه الأشقاء العرب، إن لم تكن تتفوق عليها، خاصة في السنوات الأخيرة، حيث هناك اتجاه كبير لكتابة الرواية لدى جيل طموح من الكُتّاب الشباب، رغم أن النتاج الروائي اليمني مازال قليلاً إذا ما قارناه بإنتاج الرواية في مدينة ثانوية في مصر وسوريا مثلاً.

الرواية اليمنية الجديدة

لكن هذا التميز الذي تحدث عنه طلال وتلك النوعية التي تباهى بها النبهاني ما هي أهم ملامحهما؟ ذلك هو ما يوضحه الناقد العراقي حاتم الصكر، مستعرضاً مراحل نشأة وتطور الرواية اليمنية، وصولاً إلى ما يعتبره تجدد الخطاب الروائي اليمني في العقود الأخيرة، فيرى أن سمات هذا التجديد تمثلت في ظواهر سردية متعددة، وفي مقدمتهما الابتعاد عن الواقعية التقليدية، وإطلاق فضاء المخيلة، والبحث عن موضوعات جديدة تتناول الوعي القائم بمأساة الإنسان ودور الخيال في تربيته وتطويره والاعتراض على أوضاعه المتردية، والاعتناء بالهوامش والمهمشين اجتماعياً، بدءاً من المرأة التي انطلقت كاتبة أولاً ثم موضوعاً للحرية المنشودة والاعتراض على القيم التقليدية السائدة، وأسلوبياً نرصد بروز الذات كفاعل سردي ودلالي مُسهم في الحدث. كذلك تتسم الرواية الجديدة في اليمن بحرص كتابها وكاتباتها على تقديم بانوراما شديدة السعة، لاعتراضات واصطدامات قوية بين الكاتب والواقع أدت إلى ظهور نمط من الفانتازيا الممزوجة بالواقع، كإيهام متعمد لصدم القارئ وإيقاظ إحساسه بالإشكالات القائمة. كما يؤكد الصكر أن الرواية اليمنية المعاصرة تتفوق على كتابات الجيل السبعيني من القرن الماضي، واصطفافها مع النتاج السردي العربي بمساواة وندية يشهد لهما النتاج اليمني المنشور والمتداول خارج اليمن، والمترجم للغات أخرى. يعضدها في ذلك نقد روائي يتقدم ولو بطيئاً ومحدوداً على المستوى النقدي والأكاديمي. والأمثلة عديدة، كما في أعمال علي المقري وحبيب سروري ونبيلة الزبير ومحمد الغربي عمران ونادية الكوكباني وحسين باصديق وصالح باعامر ومحمد عثمان وأحمد زين ووجدي الأهدل وبشرى المقطري وبسام شمس الدين وسيرين حسن وياسر عبد الباقي، وأسماء أخرى لا يتسع المجال لذكرها.

وفي الآخر

نرى أنه يكاد يتفق الجميع على خصوصية ما يتحقق للرواية اليمنيــــة في المرحلــــة الراهنة من نوعية لكنها تحتــــاج إلى التراكم، مُرجعين مشكلة الإقلال ومحــــدودية الانتشار إلى المناخ العام والظـــروف المعيشية والبيئة الثقافية، وعدم توفر الحرية وغياب الدعم المؤسسي والحركة النقديــة وغيرها من الأسباب، وهو ما يتطلب من الكٌتّاب إصراراً على الاشتغال المتكئ على وعي نقدي وثقافة مفتوحة وتحدٍ للمعوقات، كذلك أن تتحمل المؤسسات الحكومية وغيرها مسؤوليتها إزاء رعاية هذا الفن.

 

واجهت تحديات كثيرة وتمر اليوم بأهم مراحلها: الرواية اليمنية: 220 عملا في 90 عاما

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية