«واحد مصري» لوليد علاء الدين: على خطى «جبرتي الستينيات و«بصراحة مطلقة»

حجم الخط
0

تبدو هذه النوعية من الكتب في نظر البعض بسيطة وسهلة فهي مجرد نقل لأرشيف صحافي ولكن الحقيقة ليست كذلك..فهي لا تنتمي إلىالأصنافالأدبية المعهودة فليست سردا أو شعرا أو مقالات صحافية أو نقدية خالصة ولكن رائحة الأدب تفوح منها بشدة كلما أتقن كاتبها الاختيار وأجاد الكتابة…ولعل من أشهر الأعمال المطبوعة التي عرفت في هذا المجال كتاب»من بعيد» لطه حسين و»بصراحة مطلقة» و»بصراحة غير مطلقة» و»جبرتي الستينيات» ليوسف ادريس وغير هذه الأعمال كثير…إنها نوعية خاصة من المؤلفات التي جمع فيها الكتاب عصارة مقالاتهم في الصحف والمجلات ومداخلاتهم في الندوات حتى لا تموت ولا يلفها النسيان…وقد اختاروا لها بدقة شديدة نصوصهم المتميزة.
فظاهرة جمع المقالات في كتب ليست جديدة وهي ليست مغامرة سهلة مثلما يقدم على ذلك البعض من الكتاب المتسرعين، فثمة اختيار ودقة وحرص على جودة النصوص والمضامين الممتازة التي تستحق أن تحيا لتكون شهادة دائمة على وضع ما ولتظل الفكرة الإصلاحية التي بين طياتها مرفوعة في انتظار من يأخذ بها…فعملية نقل المقالات من الصحافة إلى الكتب ليست باليسيرة وهي تثير جملة من الإشكاليات التي لا بد من الكاتب أن يكون فطنا لها فليس كل ما ينشر في الصحافة السيارة جدير بالنشر في كتاب لا لاستنقاص من قيمته وإنماحتى لا تنزع الخصوصية عن هذا وذاك. فالكتاب يظل كتابا والجريدة تظل جريدة لكل نبضه ولهجته. ولعل وليد علاء الدين كان فطنا لهذا الإشكال، فالمقالة الصحافية على حد قوله «عادة ما تكون كتابة تفريغ شحنة كرد فعل على الأحداث اليومية لذلك ينظر إليها الكثيرون مثل نظرتهم إلىالأحداث التي أثارتها…خبر ويمر».ولكنه يصر على أن الكثير من المقالات «تحمل أفكارا تكتسب أهمية تفوق بكثير وقتها لأنها تتعامل مع الأحداث اليومية بوصفها مثيرات تفتح الحديث في أمور لا مفر من مناقشتها وطرحها واقتراح حلول لها، أمور تتجاوز اليومي والخبري لتبحث في ما هو أعمق وما إذا لم ننتبه إليه فسوف يتكرر مرات ومرات ونظل نراه يتكرر كثيرا إلىأن يقع في دائرة المعتاد».
ونفهم من خلال هذه الإشارة الأخيرة أن العمود الصحافي في تجربة الكاتب ليس نقلا إخباريا جامدا وإنما هو انطلاق من لحظة ومن واقعة للولوج إلىقضايا عديدة وهذا ما وجدناه، فالكاتب ينطلق من أحداث سياسية وتصريحات لشخصيات أو متابعات تلفزيونية أو حكايات يومية ليقدم رؤيته ويطرح مواقفه ورسائله.
ولعله سار في هذا الركب منتحيا أسلوب يوسف إدريس في«جبرتي الستينيات»وما بعدها حيث جمع الكثير من المقالات الممتدة على سنوات والتي لا يجمعها موضوع واحد فهي تجمع بين السياسي والثقافي واليومي وأضفى عليها أسلوبا خاصا تحضر فيه اللمسات الأدبية التي تتجلى خصوصا في نزعة السرد التي تتجلى في هذا العمل الذي لا يخلو من أقاصيص بعضها من الذاكرة وبعضها من اليومي كانت حاضرة لا لغاية سردية فقط وإنما لتكون منطلقا للتعبير والترميزوالجدل مثل قصة «أم حسن والساحرة العبيطة»وقصة «بعدالنوم» و»مشهد يومي» وغيرها…إنها قصص تلتصق بيوميات المصريين وهمومهم اليوميةمثلما نجد في نص «مشهد يومي»:
المكان:أحد أرصفة وسط البلد في القاهرة
الزمان: كل يوم
الوقت ليل خارجي شتاء بارد
الأشخاص: امرأة فقيرةوطفلان لا يتجاوز عمرأكبرهما خمسة أعوام
الطفلان ملتحمان بجسد الأم التي تحاول أن تمنحهما القدر الأكبر من دفئها رغم الثياب الرثة.
إنها ملاحقة للمشهد المصري في أبعاده الاجتماعية والسياسية والثقافية في كتابة تمتزج فيها المرارة بالحلم…مرارةاليومي الموجع والحلم بالغد الأفضل.
ولعل هذا الكتاب على ما فيه من نقد للواقع يحمل بين طياته نوعا من اللذة. لذة الصياغة فليس ثمة نمط واحد صيغت عليه هذه النصوص فهي سرد وتحليل وتنظير وحوارات وهي جدية وهزل وهي عمق وسخرية.
إنها خربشات مثقف على جدار الوطن جمع فيها الكاتب مقالات صحافية وتدوينات فيسبوكية كتبت في سنوات مصر الأخيرة، تحمل تفاعلات مثقف مع المشهد في مختلف أبعاده بعيدا عن اللغة الرسمية وقد ضم الكتاب في نهايته دراسة نقدية تحت عنوان «صدمة الخروج من زيف الصورة الذهنية» وهي قراءة في تحولات الشخصية المصرية…
«واحد مصري»عمل فكري وأدبي وصحافي في آن واحد على خطى «جبرتي الستينيات» «ليوسف إدريس منهجا وتفكيرا ومواضيع اهتمام.

ـ واحد مصري:وليد علاء الدين دار صفصافة الجيزة مصر 2015 تصميم الغلاف السوداني ناصر بخيت وصورة الغلاف د.محمود حامد

ناقد تونسي

رياض خليف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية