الكويت ـ «القدس العربي»: «جدتي هي معلمي الأول» بهذه الكلمات استهل الروائى الجزائري واسيني الأعرج متحدثا عن جدته التي كانت السبب في بزوغ نجمه الأدبي، قائلا: اعتبر جدتي أستاذي الأول في الكتابة، على الرغم من أنها سيدة أمية لا تجيد الكتابة والقراءة ۔
ولفت إلى أنه ولد في عز الثورة التحريرية عام 1954، وأن والده اعتقل واستشهد في السجن عام 1959 بعد سنوات قليلة من اندلاع الثورة، حتى أننا لم نتسلم جثمانه ولم ندفنه وأبلغونا بوفاته ولا نعرف له قبرا، وترك وصية لوالدتي، وهي الاهتمام بتعليمنا.
وبيّن أن جدته كانت عاشقة للتاريخ والإرث الأندلسي، تحكي لهم القصص المشوقة بأسلوب مسرحي، وأنه تبنى إحدى الشخصيات وهو الجد، وقام بعدها بإعادة خلقه أدبيا من خلال دمج الخرافات، وأيضا لمسات واقعية من الجزء الحقيقي للأندلسيين. واستذكر الأعرج إحدى عبارات جدته التي تركت أثرا، وهي «إن أردت أن تتعلم اللغة العربية فعليك أن تتذكر تاريخ أجدادك». ولفت إلى أنه كان يحب جدته كثيرا، فهي كانت بمنزلة والدته وهي التي دفعته عند شيخ يحفظ القرآن الكريم لتعلم اللغة العربية، وكان يذهب للمدرسة القرآنية في الخامسة فجرا ليقطع مسافة طويلة سيرا على قدميه.
ألف ليلة وليلة
هكذا حكى واسيني بشجن بالغ مثيرا الكثير من المشاعرالدافئة والعواطف العذبة والذكريات المؤلمة والمحطات السعيدة، حيث وصف نفسه بـ«المحظوظ» عن رحلة البداية مع الرواية، ومع العربية أيضا التي تعلمها في زمن استعماري كان تفرض فيه الفرنسية كلغة للتعليم وعن حصوله على العديد من الجوائز الأدبية أمام أدباء وقراء الكويت، حيث استضافته وزارة الشباب ومشروع تكوين للكتابة الإبداعية في معرض كاب (منصة الفن المعاصر) حيث احتشد عدد كبير من الروائيين والكتاب الكويتيين في حوار مفتوح مع الكاتب، ووقف قراء ومعجبو الأديب الجزائري في طابور طويل للحصول على توقعيه على رواياته التي وفرتها في الفعالية مكتبة آفاق. وتحرر واسيني من الحرج وهو يعترف بأنه سرق كتاب القرآن للشيخ الذي يعلمهم اللغة العربية وظل مفتونا بهذا الكتاب يقرأه كل يوم ويبحر بعوالمه المثيرة وكان بلا غلاف حتى زارهم أحد الأقرباء ووجده منكبا على الكتاب فسأله ماذا تقرأ فأجاب بثقة «القرآن» وأخبره بأنه هذا كتاب «ألف ليلة وليلة» وأن لحظة الاستكشاف هذه لكتاب ألف ليلة وليلة هي اللحظة المركزية لعشق القراءة وللكتابة لدى واسيني كما روى، فهي التي أسست علاقته الاستثنائية بالعربية بشكل متحرر، وليس مقيدا، وأن هذه المصادفة الغريبة هي التي جعلته يكتب، وجعلت علاقته باللغة العربية علاقة عشقية، وصار بينهما رابط روحي كبير.
رعب توقف العمل
وهو يرى أن إحدى أهم الاشكاليات في الكتابة التي قد يقع فيها الكاتب هي عدم القدرة على إتمام نصه وهذا ما يتعرض له معظم الكّتاب، ففي أدراجهم أعمال لم تنته. وأوضح الأعرج أنه ينتابه شعور بالرعب أول ما يكتب، ليس بسبب الكتابة، لأن المرء قطع شوطا في الكتابة لسنوات، ويصبح هناك في الكتابة جزء صغير آلي بسبب الاحترافية، وهو خبرتك الشخصية، لكن الخوف من الوقوف في منتصف الكتابة وأنك لا تكمل العمل وتمشي به مدة من الزمان وتتوقف فهناك أعمال تنشر لأن قدرها وصل بها إلى النهاية، ولكن كل الخوف من الأعمال التي تموت قبل أن تنتهي. وأعطى الأعرج للحضور مثالا على ذلك، وهو رواية بعنوان «أكاريا» وهي عمل غير مكتمل متأثرا فيه بأفكار كافكا، يدور حول شخص يصاب بمرض حالة ذهنية تجعله يرى نفسه حشرة (كما في قصة المسخ) لكنه حشرة كتب، يتنقل بين صفحات المؤلفات، وهي رواية «مكتبة» أكبر جزء منها لكنه تعثر في إيجاد نهاية للحشرة التي تأكل الورق، رغم أنه أنجز الرواية، ولكنه ولم يتمكن من أن يصل إلى طريقة لنهايتها. من جانب آخر قال إن روايته «وقائع من أوجاع رجل» هي أول عمل روائي علاقته به قوية، لأنه في هذه الرواية سطر قصة والده.
الكتابة مشروع حياة
ووجّه تحية خاصة لإسماعيل فهد إسماعيل كروائي عربي كبير لم ينل حقه الذي يليق بتجربته كرائد من رواد القصة والرواية، كاشفا أنه تأثر بكتابه «كانت السماء زرقاء»، فكان أول بحث له في الجامعة حول هذا النص.
وفي المداخلات طرح إسماعيل الفهد سؤالا ما إذا كان العمل الأكاديمي معطلا للروائي الفائز بجائزة كتارا؟ ألم يخف من التحول إلى باحث تقليدي؟
فأجاب واسيني: بأنه كان من خلال الوظيفة الأكاديمية يبحث عن الأمان والاستقلال المادي بعيدا عن تحكم الناشرين وغيرهم، وأن علاقته بالوظيفة الأكاديمية لم تصل مطلقا حد الاستغراق الكامل، فظلت الوظيفة «هواية»، أما الكتابة فهي مشروع الحياة، وكلمة «دكتور» ليست علامة ثقافية ولا تضيف شيئا لي وما أكثر حملة الدكتوراه في الوطن العربي، أفهم أن الطبيب هو دكتور، لكن الإبداع هو اختياري والمؤسف أن العلاقة مع الجامعة هي علاقة شهادات وليس علما، وفي العمل الأكاديمي امتنعت عن أي بحث لكي لا يتأثر نتاجي الأدبي وسر استمراري في التدريس في جامعة السوربون في باريس إنه ليس لدي رغبة لأقع تحت رحمة ناشر أو مؤسسة ما فاتجهت إلى العمل الأكاديمي للاستقرار المادي.
مواجهة لحظة الموت
الروائية ليلى العثمان صرحت بدهشتها لواسيني من كثرة إنتاجه الأدبي وكأنه في صراع مع الزمن؟ وتساءلت: هل كان للجوائز العربية التي تعددت اليوم أثر في غزارة الإنتاج لحاقا بها؟ صادق واسيني على فحوى التساؤل الأول، حاكيا عن علاقته، بل تجربته الخاصة، مع الموت، بعد إصابته بأزمة قلبية، وضعته أمام السؤال عن إرادة الحياة، وأيضا إرادة أن يفرُغ الكاتب من كل ما أراد أن يقوله بغض النظر عن طبيعة استقبال الآخرين له، وغزارة الإنتاج تختلف من كاتب لآخر وهناك كتاب مثل «المرأة الولود» وأنا من هذا النوع. أما عن سؤالها المتعلق بسبب انتشار الروايات الطويلة التي تعسر قراءتها أو متابعتها على القارئ، فأجاب واسيني بأنه لا يحدد عدد صفحات كتاب شرع في تأليفه، وتناول إحدى رواياته التاريخية الطويلة وهي «الأمير» التي قدر لها أن تفوز بجائزة للنشر، وهو ما ينفي كون الروايات الطويلة بالضرورة مرفوضة من قبل القارئ، وأردف مداعبا إن روايته الجديدة التي انتهى منها تتألف من 600 صفحة، رغم أنه حين بدأها كان يخطط أن تكون في 200 صفحة.
محظوظ بالجوائز
وحول الجوائز علق بقوله: في العالم العربي لا تتوفر مؤسسات تروج للنصوص دعائيا فيبقى أمل النص الوحيد هو الفوز بجائزة، واعتبر نفسي محظوظا بنيل أكثر من جائزة، ولا يعتمد الفوز دائما على جودة النص، ولكن يتدخل الحظ أحيانا، والجوائز مهمة لأنها تسلط الضوء على العمل الفائز وإن لم تروج الجائزة للنص فمن الصعب أن يجد الكاتب نفسه وقد لا يصل العمل للجمهور. حول كتابة الشباب وعلاقة الجيل الأقدم من الروائيين بهم، كان سؤال الروائي طالب الرفاعي لواسيني، الذي اعتبر أن الكتابة حال من السخاء والعطاء، متناولا العلاقة الجدلية بين الأجيال، ومؤكدا ضرورة ألا يغتر الكاتب الشاب إذا حاز مكانة خاصة «فمن ير أنه وصل، كتب النهاية لنفسه».
النقد والسيرة الذاتية
وعن النقد ومواكبته للحركة الأدبية أجاب بأن الحركة النقدية العربية تقليدية حتى لو دخلت مضمار الحداثة فهي مرهونة بنظريات سابقة لكن الأهم ماذا يملك نقادنا من نظريات تخصهم بمعنى ماذا تقول أنت ولهذا لاأجد أن النقد يدفع بالأدب ۔
واعتبر أن كتابة السيرة الذاتية أمر ليس هينا فهي تعني أن تقف وجها لوجه أمام المرآة، وأن تقول ما تراه وليس ما تشتهيه، وقد حاولت كتابة سيرة فأخفقت لأن السيرة هي أن تصنع التاريخ ومقتل السيرة الذاتية هو «الأنا» وفي المقابل ليس هناك سيرة ذاتية من دون أنا السخاء هي أن تمنح وقتك للآخرين. وعليك أن تؤمن الكاتب الشاب قد يتجاوزك وإذا كان الكاتب الكبير لا يستوعب ذلك فلا يستحق أن يكون كبيرا.
منى الشمري