لندن ـ «القدس العربي»: اعترف مدير الأمن القومي جيمس كلابر بأخطاء ارتكبتها الولايات المتحدة في تقدير قوة مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام بالطريقة نفسها التي أساءت فيها التقدير في فييتنام.
وجاءت تعليقات كلابر في مكالمة هاتفية يوم الأربعاء مع المعلق الأمريكي ديفيد إغناطيوس الذي سردها في مقالته بصحيفة «واشنطن بوست»، وفيها عرض بعضا من ملامح الإستراتيجية الأمنية الجديدة التي كشف عنها هذا الأسبوع.
ويضيف إغناطيوس إن كلابر أجاب على عدد من الأسئلة المرتبطة بالقضايا الأمنية الشائكة التي تواجه الولايات المتحدة. وعندما سئل حول نجاح المجتمع الأمني في تقديم «معلومات استباقية» عن الحركة المتطرفة في كل من سوريا والعراق.
أجاب أن المحللين لدى الوكالة قدموا معلومات عن ظهورها وقوتها وقدراتها ومظاهر ضعفها ولكن «ما لم نقم به هو التكهن بقدرة التنظيم واستعداده للقتال، وهو ما تجاهلناه في فييتنام، فقد قللنا من قدرات «الفيت كونغ» والفييتناميين الشماليين، وفي هذه الحالة أسأنا تقدير قدرات تنظيم الدولة الإسلامية، وأسأنا تقدير القدرات القتالية للجيش العراقي، ولم أر أن انهيار القوات الأمنية العراقية في الشمال قادم، ولم أكن واعيا بهذا، وكل هذا يعود للتكهن بالإستعداد للقتال وهو أمر يصعب تحديده».
ورغم أن المسؤولين الأمريكيين لم يتحدثوا عن منظور نجاح استراتيجية الرئيس باراك أوباما لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية ومن خلال تحالف من الدول بدون إرسال قوات برية لكن مسؤولين بارزين عبروا عن قلقهم. ونقل عن مسؤول بارز قوله «لو كنت مسؤولا عن دائرة التحليل لما قمت بالإعلان»، خاصة «أنني لم أنظم مشاركة كل عضو في التحالف وما يمكن أن يقدمه»، مضيفا أن ما يحدث هو معيار جديد تتعامل فيه الولايات المتحدة مع مشاركة كل دولة بشكل موضوعي. ويصف التحالف الجديد بمثابة امتحان، حيث لم تفعل الولايات المتحدة شيئا مثله في السابق وكانت الجهود تقوم على مساهمة القوات الأمريكية فقط وهو ما يجعله وغيره يترددون في الحديث حول الكيفية التي سيعمل فيها التحالف.
ويرى كلابر أن تنظيم «داعش» يمثل تهديدا للولايات المتحدة «على المدى البعيد»خاصة أن تصريحات وبيانات التنظيم تؤكد على حتمية المواجهة مع الولايات المتحدة. ولكنه قال إنه لا يستطيع تقديم جدول زمني عن هجمات قد ينفذها ولا عن قدراته.
وفي التقييم الأمني الذي صدر يوم الخميس تحدثت الوكالة الأمنية عن التحديات التي تواجه أمريكا من مختلف المناطق، ويصف التقرير النوايا الصينية بالغامضة.
وعبر كلابر عن قلقه من برنامج تحديث الجيش الصيني الذي يتم في كل المجالات حتى مجال السايبر. واعتبر روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين تهديدا حيث توقع مواصلتها لتأكيد قوتها والتأثير بطريقة تضعف المصالح الأمريكية.
المرحلة الثانية
وتواجه الولايات المتحدة المرحلة القادمة في تنفيذ استراتيجيتها لهزيمة وتقويض أركان «داعش» وهي على ما يبدو المرحلة الأكثر تعقيدا، فالغارات الجوية التي توسعت في الأيام الماضية تظل الجزء الأسهل من الخطة.
وستشهد جهودا لاستعادة المناطق التي سيطر عليها التنظيم، خاصة مدينة الموصل ثاني كبرى المدن في العراق وتكريت والفلوجة، وتحتاج المرحلة هذه انخراطا من المستشارين الأمريكيين في عمليات تدريب وتنسيق الغارات والعمل مع القوات العراقية. ويرى العسكريون في البنتاغون أن المرحلة تقتضي نشر قوات أمريكية خاصة وهو ما يحاول المسؤولون في البيت الأبيض تجنبه.
ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول في وزارة الدفاع قوله إن عملية «تنظيف المدن سيكون أصعب».
وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي قد تحدث في بداية الإسبوع عن إمكانية إرسال قوات برية إن تغيرت الظروف، مشيرا إلى أن المرحلة الثانية «معقدة بدرجة كبيرة».
وحديثه الجنرال ديمبسي يشير لتجربة الأمريكيين في الفلوجة عام 2004، ومعاركهم للسيطرة على الموصل وبعقوبة وغيرها من المدن خاصة ما عرف بالمثلث السني. وسيجد العراقيون صعوبة بعد فشلهم أمام مقاتلي «داعش».
وستعتمد الولايات المتحدة هنا على لاعبين محليين مثل الجيش العراقي والبيشمركة والعناصر السنية أي إعادة بناء وحدات الصحوات التي أسهمت في هزيمة القاعدة، وقد تتعاون مع الميليشيات الشيعية التي أصبحت تلعب الدور القيادي في المعارك ضد «داعش».
ويعترف الأمريكيون أن جهودا مثل هذه قد تأخذ وقتا ولن تكون الكتائب جاهزة إلا بعد وقت. فمن بين 50 كتيبة في الجيش العراقي تم تحديد 26 منها يمكن العمل معها لكونها جاهزة وقيادتها موالية للجيش وليس للميليشيات.
وفي الوقت نفسه تعمل الولايات المتحدة على تجميع قوات من الصحوات القديمة وجعلها جزءا من المؤسسة العسكرية وتحت مسمى «الحرس الوطني» وذلك لتجنب إرسال قوات الجيش العراقي الشيعي في غالبيته لمناطق السنة وللحصول على ولاء السنة.
وكان رئيس الوزراء العراقي الجديد حيدر العبادي قد أمر بوقف القصف على المدن السنية، ويشير مسؤول في وزارة الدفاع إلى أن الطيران العراقي ليس دقيقا في أهدافه وارتكب أخطاء حقيقية، ولهذا السبب قرر العبادي وقف القصف حتى على المناطق التي تقع تحت سيطرة «داعش». وعليه فستقع مسؤولية الغارات على الولايات المتحدة وحلفائها لتنسيق عمليات القصف الجوي.
ويعمل المستشارون الأمريكيون بشكل قريب مع الفرق العراقية في الميدان. ويتم تنسيق عمليات الغارات من خلال مركز للعمليات في إربيل يديره الأمريكيون والعراقيون حيث يتلقى المركز المعلومات عن مواقع «داعش» ومن ثم تمرر إلى الطيارين.
ورغم تأكيد المسؤولين العسكريين على الدور الذي سيلعبه المستشارون في الميدان إلا أن البيت الأبيض أكد أن اي حاجة لتنسيق الغارات أو توفير الدعم التكتيكي للفرق العراقية يجب أن يتم بعد استشارة الرئيس. ويواجه الأمريكيون في العراق عدوا بدأ يتكيف مع الغارات الأمريكية حسب الجنرال ديمبسي.
الحرس الوطني
ولاحظت صحيفة «كريستيان ساينس مونتيور»أن الجهود لإنشاء حرس وطني لمواجهة «داعش» بدأت تحصل على دعم من أبناء السنة الذي رحبوا أولا بالجهاديين ولكنهم بدأوا يشعرون بالسخط من ممارساتهم.
وتقول الصحيفة إن «شهر العسل» بين السنة وتنظيم الدولة يخفت في الموصل. فبعد فرض التنظيم سلسلة من القيود على السكان وتدميره لمعالم تاريخية ودينية. قام السكان بتنظيم حركة معادية لهم ولكنها سرية.
ويقول أحمد يونس «بدأت الثورة من الداخل»، ويقول و قد كان يتحدث بالهاتف من داخل المدينة إن معظم الناس كانوا يؤيدون «داعش» أما الآن فيشعرون بالندم والخجل. ويقولون إن أربعة من مقاتلي «داعش» قتلوا في الموصل باستخدام كواتم للصوت، فيما طعن اثنان بالسكاكين.
ويأتي إنشاء الحرس الوطني بعد تقييم البنتاغون للجيش العراقي حيث وجدت أن نصف كتائبه طائفية. وسيساعد تشكيل الحرس الوطني على توفير الأمن للمناطق المحلية وسيتم قيادتها على مستوى المحافظة.
ولكنها ستعتبر جزءا من البنية الأمنية العسكرية العراقية. أي صحوات من داخل الجيش العراقي. ويقول يونس «ننتظر العبادي لتنشيط سياسة الحرس الوطني ونشعر بالراحة لأننا سنقوم بحراسة مدننا وأهلنا».
وترى الصحيفة إن الدينامية نفسها التي أدت لولادة الصحوات قبل 7 أعوام حاضرة بعد سيطرة «داعش» على مناطق واسعة من البلاد.
ويواجه السكان في مناطقه قيودا على التحرك فقد ألغى عددا من المواد الدراسية مثل الفلسفة وعلم النفس والفن، وهو ما أجبر بعض السكان للإمتناع عن إرسال أبنائهم للمدارس رغم التهديدات التي تلقوها. وقام التنظيم بإعدام ثمانية من السنة بتهمة التآمر.
وترى الصحيفة أن ملامح تغير مواقف السكان جاء الإسبوع الماضي عندما انتقد الشيخ علي حاتم سليمان من مجلس ثوار العشائر التنظيم و قال «تجاوز «داعش» كل الحدود وعلينا قتاله».
وأضاف «أؤكد لكم استعداد القبائل للتعاون مع المجتمع الدولي بكل الوسائل. وأثنى على فكرة الحرس الوطني الذي وصفه بالضمانة للعراق. ويظل الحرس الوطني مجرد فكرة ولم يتم تقديم تفاصيل عنها، ومن سيدفع لعناصرها ويديرها. ويأمل المسؤولون العراقيون تمرير التشريعات اللازمة لإنشائها في غضون أسابيع. ويرى زهير الجلبي أحد سكان الموصل «لن تكون سهلة- الحرس الوطني- لأن نسبة 50% من السنة يدعمون «داعش» بعد 11 عاما من الظلم الذي مورس عليهم». ويضيف أن مشرحة الموصل تستقبل في الإسبوع ما بين 30-40 جثة ولكن التفجيرات توقفت لأن من كان ينفذها يحكم الموصل اليوم. ويرى الجلبي أهمية «تحرير أبناء الموصل مدينتهم ولأن الغارات الأمريكية لا تكفي ويجب عليهم أن يكونوا على الأرض للسيطرة عليها».
ولكن السنة لم ينسوا الصحوات وكيف عومل أفرادها، حيث رفضت حكومة نوري المالكي دمجها في الجيش العراقي أو دفع رواتبها وتعامل معها كطابور خامس، ويرى الجلبي أن تجربة الصحوات فشلت لعدم دمجها في الجيش العراقي، قائلا إن تجربة الحرس الوطني ستكون مختلفة و «سيكون منظما بقواعد وقوانين». وسيكون عبارة عن قوات محلية على غرار قوات البيشمركة الكردية.
الجزء السوري
ويظل هذا ضمن الجزء العراقي من الحملة وهو الأسهل، أما بالنسبة لسوريا وضرب «داعش» فيها فستعمل الإدارة على تدريب وحدات من المقاتلين حتى يكونوا جاهزين لمواجهتها ميدانيا.
وقدر ديمبسي مدة تدريب 5400 مقاتل بأنها تحتاج إلى 12 شهرا، ولكن هذه الأعداد هي بداية قوة تعمل وزارة الدفاع على تشكيلها حتى يصل تعدادها إلى 12.000 مقاتل وهي القوة الواجب توفرها للسيطرة على المناطق المحررة في سوريا واستعادة الحدود مع العراق. وقدرت وكالة الإستخبارت الأمريكية عدد المقاتلين في داعش بما بين 20.000 31.000 مقاتل. فحتى وقت قريب ظل يعمل العملاء الأمريكيين التابعين للسي آي إيه في تركيا حيث قاموا بتزويد المقاتلين بالسلاح والمال، من أجل العمل على تحويل مجموعاتهم لقوة تستطيع الوقوف أمام داعش.
لكن المستفيدين من البرنامج يرون أن تحقيق هذه المهمة يحتاج لدعم ضخم من الدول الاجنبية. ويشكو الكثير منهم من نقص السلاح، ويتعرض قادتهم للإغتيالات فيما اعترف بعضهم أن ضرورات المعركة جعلتهم يتعاونون مع «جبهة النصرة» الموالية ل «القاعدة». ويشيرون المقاتلون إلى أن هدف المجتمع الدولي يختلف عن هدفهم فهم يريدون محاربة الأسد لا «داعش».
ويقول حمزة الشمالي زعيم حركة «حزم» المدعومة من قيادة العمليات العسكرية «كما هي أولوية المجتمع الدولي قتال «داعش» فألويتنا محاربة الأسد». وفي البداية كانت جهود قيادة العمليات العسكرية تتركز على تدريب المئات، لكن حجم البرنامج في توسع وأصبح الدعم المالي يمر عبر القيادة بعد الإجراءات التي قامت بها تركيا للحد من نشاط المتبرعين الخاصين، وتتعاون مع قيادة العمليات العسكرية مخابرات دول أخرى وتسهل تركيا عملها وتمول دول الخليج برنامجها و هي تعبر عن طموح أمريكي لبناء قوة جديدة.
و أكدت القيادة أن عمل الإئتلاف الوطني أن يقوم بالإشراف عليها مع المجلس العسكري الأعلى للثورة السورية، وقامت بالإتصال مباشرة مع جماعات مثل حزم وجبهة ثوار سوريا التي يتزعمها جمال معروف. وتدعم قيادة العمليات العسكرية في شمال سوريا 10.000 مقاتل يتلقى الواحد منهم 100 دولار وتستفيد منه 8 فصائل.
ورغم كل هذا يتساءل عدد من العسكريين إن كانت إدارة أوباما قد صممت خطة كافية لهزيمة «القاعدة» ونقلت «نيويورك تايمز» عن الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس «لسوء الحظ فالإستراتيجية عملت بشكل سريع وكان الأولى ان يتم تحديد الأهداف السياسية وتقديمها بطريقة مقنعة».
إبراهيم درويش