واشنطن ـ «القدس العربي»: يواجه لبنان تحديات حاسمة وفقا للرؤية الأمريكية هي أولا: الاثار الجانبية للصراع السوري بما في ذلك تدفق اللاجئين إلى لبنان والتهديدات الأمنية التي تتمثل في تنظيم «الدولة» وجبهة النصرة. ثانيا: أنشطة حزب الله الذي تعتبره الولايات المتحدة منظمة إرهابية تضع مصالحها الخاصة ومصالح مموليها قبل مصالح اللبنانين. ثالثا: الأزمة السياسية التي شلت تقريبا صنع القرار في الحكومة بحيث غدت البلاد بلا رئيس لمدة سنتين تقريبا.
هذه التحديات كانت محل اجماع تقريبا في المناقشات الأخيرة التي شهدها الكونغرس حول السياسة الأمريكية تجاه لبنان، وهي بالتأكيد تقدم لنا فهما اوسع للاستراتيجية الأمريكية الشاملة التي تدعي بانها تهدف إلى الترويج للبنان مستقل يتمتع بسيادة واستقرار والحفاظ على تنوعه الديني مما يخدم بالتالي مجموعة من المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
المساعدة التى يمكن ان تقدمها الولايات المتحدة للبنان من أجل التصدى لهذه التحديات بسيطة للغاية كما قال السفير غيرالد فيرشتاين مساعد وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى أمام لجنة استماع للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، وهي تتلخص في التأكد من امتلاك القوى الأمنية اللبنانية الأدوات التي تحتاجها لمنع تنظيم «الدولة» من زعزعة استقرار البلاد، وفي الوقت نفسه، المساعدة على بناء مؤسسات الدولة الشرعية ونفي حزب الله الذي يحاول تجنب قيام حكومة مركزية قوية قادرة على توفير الخدمات لعموم البلاد، وهي مساعدة تتداخل مع إجراءات الكونغرس الأخيرة التي تمثلت في اقرار منع تمويل حزب الله في محاولة لتوفير الأدوات المهمة لتفكيك الشبكة المالية العالمية للحزب.
وواضح فيرشتاين ان الصراع في سوريا شكل اختبارا قاسيا لصمود لبنان، حيث يتواجد حاليا أكثر من 145 ألف طفل لاجئ من سوريا في المدارس الرسمية اللبنانية مشيرا إلى ان وزير الخارجية جون كيري أعلن في مؤتمر لندن تقديم 133 مليون دولار من المساعدات الإنسانية الجديدة إلى لبنان لتبلغ مساهمة الولايات المتحدة 1.1 مليار دولار منذ بداية الأزمة، مع الإشارة إلى ان الحكومة اللبنانية قدمت التزامات جديدة لتثقيف وتوظيف اللاجئين السوريين من أجل منع ولادة «جيل ضائع» من السوريين مع عدم وجود موارد ولا تعليم ولا أمل.
المسؤولون الأمريكيون الذين أدلوا بشهادتهم أمام الكونغرس قالوا بوضوح، ان دعم القوات المسلحة اللبنانية «الجيش» هو بمثابة دفعة أولى لاستثمار طويل الأجل في الاستقرار الاقليمي، مع حرص بالغ على التأكيد على قيام الجيش وليس حزب الله بمسؤولية حماية البلاد من تنظيم الدولة وجبهة النصرة. ووفقا لاستنتاجات أكثر من مسؤول أمريكي، فان استراتيجية واشنطن التي تستند على برنامج المساعدات العسكرية بعد الانسحاب السوري عام 2005 قد أتت ثمارها بالفعل، لان لبنان أصبح شريكا نشطا في التحالف الدولي ضد الجماعات المتطرفة، وهو الآن، يواجههم على طول الحدود اللبنانية ـ السورية مع اعتقاد جازم بان التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب مع السلطات اللبنانية قد منع الكثير من الهجمات الإرهابية مثل تلك التي حدثت في برج البراجنة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
وقد تحدث القائد العام للقوات المسلحة اللبنانية في كانون الثاني/يناير الماضي أمام أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، حول التقدم الذي أحرزته قواته في ابعاد الجماعات الإرهابية عن ساحة المعركة في شمال شرق لبنان، ومنع مقاتلي تنظيم الدولة من التدفق للبنان بفضل المعدات العسكرية التي حصل عليها الجيش من برنامج التمويل العسكري الخارجي الأمريكي وخاصة صواريخ هيلفاير.
واتضح من محاضر النقاشات في الكونغرس حول السياسة الأمريكية تجاه لبنان، وجود تعاون وثيق في مكافحة الإرهاب بين الولايات المتحدة والقوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي، ناهيك عن تدريب هذه القوات تقنيات التحقيق بعد الانفجارات وتحقيقات الطب الشرعي وعمليات الاستجابة للحوادث الكبيرة، كما تبين تركيز واشنطن على استهداف «مهربي البشر» وتجار الرقيق الذين يحاولون استغلال الفتيات السوريات تحت ذرائع كاذبة.
وفيما يتعلق بحزب الله، فقد تفاخر أكثر من مسؤول أمريكي بنشاط الإدارة الأمريكية في تنفيذ قانون منع تمويل الحزب عبر مراقبة الاصول الأجنبية وامتثال لبنان لهذه الانظمة. وعودة إلى التحدي الثالث الذي يواجه لبنان في استعادة الحكم الفعال، فقد كان من الواضح وجود اقرار أمريكي ان رئيس الوزراء اللبناني لن يستطيع بمفرده معالجة هذه القضايا واقرار آخر ان الخلل السياسي مروع للغاية، فغياب الرئيس أنتج مجلس وزراء غير فعال وبرلمانا غائبا وبالتالي ضاعات فرص الاستثمار الأجنبية وتفاقمت الأزمات الخدمية وغير ذلك.
وقال اندرو اكسوم نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي لسياسة الشرق الأوسط، ان التعاون العسكري مع الجيش اللبناني يشكل ركيزة للسياسة الأمريكية في لبنان، لانه تمكن من صد تقدم تنظيم الدولة وجبهة النصرة والجماعات المتطرفة، مشيرا إلى ان تعزيز الجيش اللبناني يخدم المصالح الأمريكية لانه يقاوم النفوذ الإيراني وحزب الله. واضاف ان كلفة فشل الجيش اللبناني مرتفعة للغاية في الحرب ضد الجماعات المتطرفة والميليشيات المسيحية وحزب الله، لان ذلك يعني العودة إلى الاقتتال الطائفي العنيف وبالتالي تقويض الجهود السياسية لتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على ممارسة السيادة في جميع أنحاء لبنان.
واتفق المسؤولون الأمريكيون على ان أهمية دعم لبنان والجيش اللبناني تزداد في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة بيئة استراتيجية غير مستقرة في الشرق الأوسط لم تكن بهذه الحدة منذ 40 عاما.
رائد صالحة