واشنطن ـ «القدس العربي»: حرضت الولايات المتحدة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على تقسيم السلطة مع الطوائف الأخرى لكنه لم يستجب، أما الأكراد فهم لا يريدون التخلي عن حلم الاستقلال في حين اختار أهل السنة الوقوف الى جانب الجماعات الجهادية عوضا عن منح الثقة لحكومة شيعية تتجنب مطالبــــهم وتضطــــهد قادتهم، هل شكل هذا الواقع مفاجأة لواشنطن؟..ام انها ما تزال تفكر بان عقد اجتماعات دبلوماسية مع القليل من الضربات الجوية قد يقنع زعماء الطوائف بالتنازل عن مصالحهم الحيوية في سبيل إرضاء القوى الاجنبية؟.
يعتقد الخبراء ان الولايات المتحدة تعيش في وهم خطير اذا أعتقدت في ان المالكي سيحل الأزمة بشكل سياسي او عسكري، فهو يسير في أتجاه معاكس للرؤية الأمريكية وعلى النقيض من ذلك يتعامل مع الحل الأمريكي على انه انقلاب على حكومته الهشة فقط لا غير. أما من الزاوية العسكرية فالقوات الأمريكية وجدت صعوبة في السيطرة على البلاد في سنوات الاحتلال مع ما يزيد عن 100 الف جندي وهي بالتأكيد لن تتمكن من إحداث تغيير في موازين القوى مع عدد قليل جدا من المستشارين، كما تعلم واشنطن جيدا بان تنظيم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» بحجمه الحقيقي غير قادر على فرض السيطرة على مساحة شاسعة من الأراضي دون دعم كامل من السنة، ليس لانهم يحبذون فكرة تطبيق الشريعة أو دولة الخلافة، ولكنهم يرون في «داعش» أملا في اسقاط أو إضعاف حكومة المالكي الطائفية .
الإدارة الأمريكية لم تكن سطحية او ساذجة عندما شددت على تقاسم السلطة في العراق وتأليف حكومة أكثر شمولية، فهي تعلم ان الأسلوب الوحيد لهزيمة «داعش» لن يأتي إلا عبر حكومة عراقية تضم زعماء السنة وتخدم جميع الشعب العراقي وهي الطريقة الوحيدة للوقيعة بين الجماعات السنية المعتدلة وداعش.
ويعتقد الخبراء الأمريكيون ان قصف معاقل داعش لن يحل الأزمة بل سيزيد من نفور السنة وسيعزز فكرة ان امريكا عبر قوتها الجوية تخدم المالكي. ورغم وجود اصوات داخــــل المؤســـسة الامريكية تنادي بهذا الحـــل كإجراء رادع خشـــية لجوء التنظيم في يوم ما الى شن هجمات على الولايات المتحدة واوروبا الا ان اصواتا أخرى تقول ان هذه الهجمات لوحـــدها كافية لإلهام المزيد من المقاتلين بتهديد أمريكا إثر مقتل العديد من المدنيين جراء القصف. وحسب الرؤية الأمريكية فان هذا لا يعني عدم فعل شيء بل يعني ان الولايات المتحدة تعرف حدودها جيدا، ورغم سوء الفهم الحاصل حول عمل المستشارين الذين بعث بهم اوباما الى بغداد الا انهم في الحقيقة يقومون بدور مهم في جمع وتجميع وتحليل المعلومات الاستخبارية من جميع المصادر بدءا من الطائرات بدون طيار الى صور الأقمار الصناعية واقوال شهود العيان لمعرفة نقاط القوة والضعف عند داعش والقوات العراقية، من أجل جعل الأمور تسير بشكل أفضل عسكريا. وقد كانت هناك عدة تقارير حول ضربات جوية موجعة لداعش على طول الحدود العراقية السورية مما يؤكد ذكاء البيانات الامريكية التي يتم توفيرها او حتى تسريبها الى السوريين لكي تكون غاراتهم الجوية أكثر فاعلية.
الخبراء العسكريون يعلمون جيدا ان مقاتلي داعش تمكنوا من الحصول على أسلحة كثيرة من القوات العراقية الهاربة والكثير من الأموال من البنوك إلا أنهم ليسوا من فصيلة «السوبرمان» فمن الواضح انهم سيطروا على مناطق سنية فقط لا تكن عداوة لهم ولكنهم لم يتحركوا بإتجاه المناطق الشيعية في الجنوب على الإطلاق. كما تمكنت البيشمركة الكردية من إجبارهم على الفرار من جنوب كركوك وانسحبوا أيضا من المناطق الواقعة شمالي بغداد. وبناء على ذلك فان الولايات المتحدة تعتقد انها قادرة على تحقيق هدف تكتيكي هو إمالة المعركة ضد التنظيم بمساعدة من التقييمات الإستخبارية .
هذا هو أكثر ما تستطيع الولايات المتحدة عمله أو يجب القيام به، والسؤال الرئيسي هو: ما هي مصالح الولايات المتحدة في هذه المعركة؟ الإجابة بالتأكيد لا تنطوي على مساعدة المالكي أو استقرار حكومته أو حتى بقاء العراق موحدا بل في نقطة واحدة لا غير هي سحق تنظيم «داعش» بقوة من ومنعه من خلق ملاذ للإرهاب العالمي أو الحفاظ على الحرب الطائفية التي قد تجتاح منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
تؤمن دارة الرئيس الأمــــريكي باراك اوباما بان الدبلــــوماسية هي الحل لان حرمان السنة زرع التـــربة الخصبة لنهوض داعش، وفي حالة إعادة الجماعات السنية المعتدلة الى السلطة والشراكة فان هذا قد يفعل أكثر من كل القنـــابل الذكية التي تســــقط على أرض المعركة. ولكن من الواضح ان الولايات المتحدة لا يمكنها ان تفعل الشيء الكثير في هذا المضمار وخاصة في ظل المصالح المتضاربة لواشنطن في الشرق الأوسط وفي ظل عالم متعدد الأقطاب.
ويتفق الأمريكيون في نهاية المطاف على ان العراق ليست حربهم الآن وحتى بين أكثر الاصوات تطرفا في الساحة الحزبية الامريكية لا أحد ينادي باعادة القوات الأمريكية الى بغداد او التورط في القتال هناك، ورؤيتهم واضحة في حل سياسي عبر حكومة شاملة غير طائفية وهم يعلمون جيدا ان إمكانيتهم محدودة لفرض الرؤية الامريكية، والشيء الوحيد الذي يكترثون من أجله هو سحق تنظيم «داعش» فقط لا غير.
رائد صالحة