واشنطن حول لعبة بوتين في سوريا: تهدف إلى القضاء على جماعات المعارضة المعتدلة وحماية نظام الأسد

حجم الخط
4

واشنطن ـ «القدس العربي»: يراقب الأمريكيون بحذر الخطوات الأخيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين اذ بدأت الطائرات الروسية بشن غارات جوية في سوريا لتضيف قطعة جديدة وخطرة إلى المشكلة السورية المعقدة بالفعل. بوتين كما لاحظ الخبراء يتحكم حاليا بمهارة في اللعبة مع احساس فريد بالتوقيت، ففي الوقت الذي غادر فيه الرئيس الأمريكي باراك أوباما نيويورك بعد اجتماعات الأمم المتحدة ليترك وزير خارجيته جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف للتعامل مع الحاجة الدبلوماسية بالتوصل إلى تسوية سياسة في سوريا، تحرك الروس كعادتهم على حين غرة لتختلط الأوراق ثانية على طاولة الجدول الدبلوماسي لانهاء الحرب الأهلية الدموية. الضربات الروسية تمثل بوضوح الخلافات الحادة بين موسكو وواشنطن بشأن مصير الرئيس السوري بشار الأسد، اذ يصر بوتين على ان النظام السوري المحاصر في دمشق هو مفتاح الاستقرار، بينما يقول أوباما انه لا يمكن استمرار الوضع الراهن بعد أكثر من أربع سنوات من اراقة الدماء، وفي حال غياب أي شخص عن النقاش فان العمليات العسكرية الروسية هي تذكير للحكومات بصلابة موقف موسكو في سوريا.
هناك اعتقاد في واشنطن ان الإجراءات الروسية الأخيرة تهدف لدعم القوات الموالية للأسد والقضاء على الجماعات المتمردة التي تتحدى الحكومة السورية لان الضربات الروسية الأخيرة جرت بكل بساطة في حمص التي لا تتواجد فيها جماعة «الدولة الإسلامية». من الواضح ان هناك فجوة بين الخطاب الروسي في موسكو والعمل العسكري على الأرض، والضحايا بالطبع هم من المدنيين الأبرياء في وسط المعركة.
لماذا اختار الروس هذا التوقيت بالذات وكأنها تمهد الطريق للدبلوماسية؟ الاجابة وفقا لأقوال العديد من المحللين الأمريكيين هي علم موسكو بان الحرب الأهلية قد ذهبت بعيدا حيث تدفق الكثير من اللاجئين إلى اوروبا مما يعرض الحدود الجنوبية لروسيا إلى الخطر كما تعرف روسيا بان تنظيم «الدولة الإسلامية» ذهب بعيدا أكثر مما ينبغي فالإرهاب والتطرف هو آخر ما تريد موسكو رؤيته خارجا عن السيطرة.
التجربة الاوكرانية تعلمنا طريقة لعب بوتين لكي يكون جزءا من الحل السوري، استخدام القوة العسكرية أشار بوضوح إلى النوايا الروسية في اوكرانيا، وقد نجحت هذه الطريقة في الحصول على انتباه العالم، وفي الحالة السورية، أرسل بوتين المبعوث الروسي العسكري إلى السفارة الأمريكية في بغداد قبل ساعة من بدء الحملة الجوية للتأكد من ان واشنطن حصلت على الرسالة دون ترك أي شك بان روسيا ترى نفسها كلاعب في حل شامل لأي مشكلة في الشرق الأوسط. لدى بوتين كما تقول الخبيرة تارا سونشاين، الوكيل السابق لوزارة الخارجية الأمريكية للدبلوماسية والشؤون العامة، قدرة على زعزعة الأوضاع وقلب الطاولة رغم الانتقادات السريعة في واشنطن للغارات الجوية والتي أفادت بوضوح عن عدم وجود عناصر للدولة الإسلامية في المناطق المضروبة. وتضيف سونشاين ان الولايات المتحدة وروسيا رغم هذه التصريحات الساخنة لا تملك طريقة حتى الآن لمنع الاشتباك غير المقصود بين القوات وتجنب حادث غير مقصود.
هناك مفهوم قديم في السياسة الخارجية يقول «اقصف قبل التوجه لطاولة المفاوضات»، والقوة بدلا من الدبلوماسية، مما قد يفسر لعبة السلطة التي يمارسها بوتين لتحقيق عدة أهداف سياسية واستراتيجية من بينها حماية نظام الأسد بأي ثمن، وقد عبر عن هذه السياسة بوضوح وزير الخارجية الروسي لافروف عندما انتقد الولايات المتحدة والبلدان الأخرى في محاولات الاطاحة بالأسد محذرا من ان الحملات التي تخلصت من الرئيس العراقي السابق صدام حسين والرئيس الليبي السابق معمر القذافي لم تخلق سوى الاضـطــرابات وليس السلام، مع الاشارة إلى ان مقــولات ان رحيل الأسد سيساعد على هزيمة تنظيم الدولة هي أمر خطير للغاية.
وروج لافروف لفكرة ان روسيا تؤمن بضرورة وجود تغيير سياسي في سوريا ولكنه أشار في محاولة واضحة لتوضيح الأولويات الروسية في المنطقة إلى ان تنظيم الدولة يسعى لبناء خلافة من البرتغال إلى الباكستان، والخلاصة هنا وفقا للموقف الروسي انه لا يمكن إشتراط القتال ضد تنظيم الدولة كطريق لتغيير النظام السياسي في سوريا.
التفاهم الأمريكي الروسي الوحيد حول مستقبل سوريا يتمثل في اتفاق جنيف 2012 لاستعادة السلام والقيام بتحركات كثيرة على الجبهة السياسية ولكن الخلاف هنا يتمحور حول تنفيذ الاتفاق الذي يدعو إلى انشاء هيئة حكم انتقالي مزود بسلطات تنفيذية كاملة على أساس الموافقة المتبادلة، مما يعني إعادة صياغة الدستور واجراء الانتخابات إذ تصر الولايات المتحدة على ضرورة تخلي الأسد عن السلطة خلال المرحلة الانتقالية وهو الطلب الذي تعارضه روسيا. اما مصير الجيش السوري الحر فهو كما تقول التصريحات العلنية الروسية على الأقل سيكون جزءا من الحل السياسي وهو بالتأكيد موقف تتبناه واشنطن.
وبعيدا عن التحليلات غير الرسمية في واشنطن حول التواجد العسكري الروسي في موسكو، حرص البيت الأبيض على الاجابة بحذر في البداية ردا على التقارير إلتى تفيد بشن أول الضربات الجوية الروسية في سوريا. إذ قال السكرتير الصحافي جوش ارنست ان وزارة الدفاع تلقي نظرة على الأنشطة العسكرية الروسية هناك وانه من المبكر جدا تحديد النقاط المستهدفة أو التي تم ضربها بالفعل، مؤكدا على ضرورة إتخاذ خطوة جدية للتوصل إلى فصل يضمن حالة من عدم الاشتباك بين الأنشطة العسكرية داخل سوريا، وكما هو مألوف، عادت واشنطن لتغيير روايتها لتقول ان الضربات الجوية الروسية لم تستهدف مواقع لتنظيم الدولة كما تدعي موسكو في اليوم الثاني لحملة القصف إذ قال الجنرال روبرت أوتو نائب رئيس القوات الجوية لشؤون الأفراد والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع ان الضربات لم تكن موجهة ضد «الدولة الإسلامية» في حين اكد الكولونيل ستيف وارن المتحدث باسم «عملية الحل المتأصل» ان الروس قالوا علنا بوضــوح انهم في طريـقـهــم لــضـرب الدولة ولكننا لا نعتقد انهم ضربوا أهدافا للجماعة.
وأكد مسؤول أمريكي بارز ان روسيا استهدفت المعارضة السورية وليس تنظيم الدولة بالتاكيد، مع الإشارة إلى ان روسيا استخدمت أسلحة يمكن ان تسبب الكثير من الاضرار بعيدا عن الأهداف المقصودة. وأوضح المسؤول ان روسيا استخدمت قنابل غبية غير موجهة ولم تستخدم أسلحة دقيقة، مضيفا ان نتائج الضربات الروسية كانت مثالا على القنابل الغبية التي تسقطها الطائرات على علو متوسط وانها بالتأكيد غير مثيرة للاعجاب.
ويخشى المسؤولون الأمريكيون ان تفاقم الضربات الروسية الأزمة الإنسانية من خلال قتل المزيد من المدنيين واطالة أمد الحرب من خلال دعم الرئيس السوري بشار الأسد على الرغم من دعوة الولايات المتحدة بالتخلص منه كما قالت جماعة مراقبة، مقرها بريطانيا، ان الهجمات الروسية قتلت 30 مدنيا بينهم أطفال ونساء.
وقد اجرت روسيا أول ضربة جوية ضد أهداف قرب مدينة حمص وفقا لتقارير متعددة بعد ان منح البرلمان بوتين الحق في استخدام القوة العسكرية في سوريا، وتمثل هذه الخطوة تصعيدا في الجهود الرامية إلى كسب نفوذ في الشرق الأوسط بينما تحاول الولايات المتحدة مكافحة الجماعة المتطرفة. كما جددت التحركات الروسية الانتقادات المتوالية ضد استراتيجية أوباما في سوريا، حيث قال السناتور جون ماكين من لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ ان سياسة الرئيس هي المسؤولة عن زيادة الوجود العسكري الروسي في سوريا.
ودعا السناتور ديب فيشر إدارة أوباما إلى توضيح استراتيجيتها في سوريا قائلا ان تصرفات روسيا في البلاد تشير إلى ان الوضع يزداد سوءا، وأضاف ان هذه الأحداث تنذر بان سوريا ستشهد أياما أكثر ظلمة وكما قال وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر فان روسيا تصب البنزين على النار، والعنف سيتزايد كما سيتدفق المزيد من الإرهابيين الأجانب إلى البلاد.
وأكد فيشر ان الضربات الجوية الروسية دليل على فشل إدارة أوباما في سوريا بما في ذلك برنامج تدريب وتجهيز المعارضة المعتدلة الذي لم ينجح الا بضم عدد قليل جدا من المقاتلين في ساحة المعركة ناهيك عن تدفق الملايين من اللاجئين إلى الخارج.
وقال ماكين ان إدارة أوباما شجعت الأعداء عندما اخطأت بتوخي الحذر وانتهجت سياسة الابتعاد عن مخاطر العمل بدلا من مخاطر التقاعس عن العمل مؤكدا ان حطام سياسة أوباما في الشرق الاوسط قد بدأ مع فلاديمير بوتين.
في نهاية المطاف، اجتماعات نيويورك لم تثمر إلا عن ابراز الخلافات الأمريكية ـ الروسية بشكل حاد جدا ولم تكن هناك أي اخبار طيبة عن وجود اختراقات، اما هاجس واشنطن الآن فهو بالتأكيد ليس الأسد ومستقبله بل الحرص على ان لا يؤدي هذا الخلاف إلى اشتباك غير مقصود بين الولايات المتحدة وروسيا فوق الأجواء السورية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية