واشنطن ـ «القدس العربي»: لا يعتقد أي مسؤول أمريكي ان اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد يحدث على المدى المنظور بما في ذلك بالطبع المبادرة المصرية الأخيرة، وعلى حد تعبير العديد من المراقبين فان الأحداث المتعاقبة والحقائق على الأرض تشير إلى ان من السذاجة توقع بصيص أمل في الأشهر المقبلة.
الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية المصري سامح شكري بزعم تحريك عملية السلام لم تبهر أصحاب الرأي وخبراء السياسة في واشنطن، فالنتيجة معروفة في ما يتعلق بالهدف المعلن ولكن التقييم اتجه لمعرفة مصالح وتداعيات المبادرة وأسبابها الحقيقية، أما فيما يتعلق بالموقف الرسمي لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما فقد كان فاترا مع الترحيب بأي أفكار جديدة تحرك عملية السلام، إذ قال المتحدث الرسمي بأسم وزارة الخارجية الأمريكية، جون كيربي، ان الولايات المتحدة تدرك اهتمام المصريين بالمساهمة بالعثور على حلول يمكن ان توصلنا إلى حل الدولتين، فهذا شيء يناقشه وزير الخارجية كيري بشكل روتيني مع وزير الخارجية شكري، مشيرا إلى انه لا يستطيع التحدث عن رحلات الوزير المصري أو اجتماعاته في إسرائيل، ولا يستطيع التكلم عن محتوى المناقشات.
وأكد كيربي ان الولايات المتحدة ما زالت ملتزمة بحل الدولتين ولذلك فإن كيري لن يغض الطرف عن أي أفكار جديدة يمكن ان تساعد على تحقيق هذه النتيجة، ويمكن ان تساعد القادة في المنطقة على اتخاذ قرارات تؤدي إلى ذلك.
كيربي لم يعلق بدوره على تساؤلات تدور حول مدى إنخراط الولايات المتحدة في النشاط المصري الجديد، بما في ذلك محاولة ترتيب لقاء بين الرئيس المصري السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولكن كان من الواضح من إجابات كيربي ان واشنطن لا تتواصل بشكل منتظم مع القاهرة أو دولة الاحتلال بشأن هذه المبادرة تحديدا.
التحرك المصري المفاجئ نحو إسرائيل بحجة إنعاش السلام المتعثر وجد، في الواقع، ترحيبا في الوسط السياسي الأمريكي يشبه إلى حد ما الاستقبال الإسرائيلي، والخطوة على حد تعبير صناع السياسة في واشنطن، تتمتع بدعم من القوى الإقليمية السنية في المنطقة والمنشغلة بأي ثمن في إضعاف إيران، عدو إسرائيل اللدود، وهي بالتأكيد بيان واضح من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بانه يرغـب في عودة حميمية مع إسرائيل بعد سنوات من الجفاء.
ولاحظ المراقبون الأمريكيون ان إسرائيل ردت بطريقة عكسية على دعوة السيسي لصناعة التاريخ عبر اتفاق سلام، حيث دعا الرئيس المصري بشكل غير متوقع خلال افتتاح محطة لتوليد الكهرباء في وقت سابق ان تضع الفصائل الإسرائيلية السياسية خلافاتها جانبا من أجل الحصول على وحدة سياسية تمكنها من إنجاز اتفاق تاريخي. ولكن دعوة السيسي قوبلت برد فعل مناقض، حيث اختار نتنياهو حكومة أكثر يمينية وبالتالي فإن الخطوة الأخيرة لا تعدو بالنسبة إلى العديد من المراقبين سوى طبعة أخرى من مسرحية السلام.
ولاحظ المحللون الأمريكيون، أيضا، ما التفت إليه الكثير من المحللين الدوليين وهو ان مبادرة السيسي في الواقع، تخدم نتنياهو بشكل مذهل، فهي ستعطل المبادرة الفرنسية التي تسعى لعقد مؤتمر دولي للسلام بحجة ان المفاوضات الثنائية المباشرة هي الطريق للسلام، كما ستعطل أي مبادرات محتملة من الأمم المتحدة أو إدارة أوباما، وستسمح خطوة القاهرة لإسرائيل بتحسين علاقاتها مع الدول العربية دون تقديم تنازلات، وإضافة إلى ذلك، الخطوة رسالة جـــديدة إلى «الحكومة» في غزة بأن لا مكان لها فـي أي ترتيـــب سيـــــاسي مقبل حتى لو كان مجرد سراب.
والسؤال الأهم في واشنطن لا يدور حول مبادرة القاهرة بل الموقف الأمريكي من مبادرة باريس، إذ ساد قلق فلسطيني من محاولة قد تقوم بها واشنطن من أجل تعديل المبادرة الفرنسية بطريقة تلائم إسرائيل خاصة فيما يتعلق بالتفاوض على أساس حدود عام 1967 فإدارة أوباما مثل غيرها من الإدارات الأمريكية المتعاقبة حريصة للغاية على تجنيب إسرائيل أي ضغوط دبلوماسية، وبالتأكيد فإن معرفتنا بالرد الأمريكي المتوقع على مبادرة باريس ستمنحنا الكثير بشأن الرؤية الأمريكية لمبادرة القاهرة فلا مانع من الترحيب بها، فليست هناك أي تدابير منها قد تضغط على إسرائيل وهي بالتأكيد ستكون مجرد وثيقة أخرى غير مثمرة.
الصحافة الأمريكية بدورها تناولت الحدث بقليل من الاهتمام ولكنها لاحظت الكثير من الجوانب المحيطة بالمبادرة المصرية فهي كما قالت «وول ستريت جورنال» تعكس تحولا في أولويات القاهرة في الشرق الأوسط، وهي فرصة لنتنياهو لاستباق المبادرات الأوروبية وتحسين صورته أمام العالم عبر عملية احتيال جديدة تنحصر في التركيز على إجراءات الثقة والخطوات المؤقتة، مثل نقل المزيد من الصلاحيات للسلطة الفلسطينية بدلا من الاهتمام بالقضايا الرئيسية مثل الحدود واللاجئين.
وأشارت الصحيفة إلى أن مبادرة السلام المصرية هي موضع ترحيب من جانب إدارة أوباما لأن واشنطن ليس لديها أي شيء لتقدمه نحو عملية السلام كما ستريح الإدارة من صداع مبادرة باريس الأكثر عمقا والأشد إحراجا للبيت الأبيض، أما الاستنتاج الأكثر خطورة الذي وصلت إليه الصحيفة، فهو احتمال استغلال نتنياهو للمبادرة المصرية من أجل تعديل المبادرة العربية لعام 2002 والتي نصت على إقامة دولة فلسطينية على أساس حدود حزيران/يونيو لعام 1967 مع القدس الشرقية كعاصمة مقابل اعتراف الدول العربية بإسرائيل.
وقالت «نيويورك تايمز» ان مبادرة السيسي هي محاولة لتحسين وضعه في المنطقة، ومحاولة لتهدئة واشنطن الغاضبة من معاملة الرئيس المصري للمعارضين ولا أحد يعلم الأجندة الحقيقية وراء هذه المبادرة، ولكن الحقيقة الوحيدة كما تقول الصحيفة هي ان الشرق الأوسط يحترق ويتغير.
رائد صالحة