منذ فترة قصيرة أطلق عدد من السياسيين والأكاديمين والنشطاء المصريين – على رأسهم د. سيف الدين عبدالفتاح وآخرون- مبادرة «وطن للجميع» المعروفة إعلاميا بـ «مبادرة واشنطن»، هذه المبادرة التي أراد أحد المشاركين فيها تدميرها قبل ولادتها بتسريب إحدى قراءتها الأولية إلى الإعلام كي تصبح مادة دسمة يفتك بها الكارهون الحاقدون لتدمير أي كيان يعمل على إنهاء هذا الحكم الإستبدادى.
تميزت المبادرة منذ صدور إعلانها الرسمي بعدة مميزات شكلية أهمها إحداث حراك سياسي بعد أن تحولت السياسة في مصر إلى مياه راكدة أصابها العفن، فالمصريون في الداخل إما معتقلون أو مطاردون أو صامتون أو يسبحون بحمد هذا النظام ، أما المصريون فى الخارج فالشقاق والخلاف والتخوين يضرب صفوفهم ، ومن ثم جاءت تلك المبادرة لتُعيد للسياسة المصرية صبغة الحياة من جديد ، كما أن تلك المبادرة أثبتت أن الإصطفاف الوطني وإن كان صعبا إلا أنه ليس مستحيلا، وأن القاعدة الوطنية المشتركة كبيرة ويمكن أن تسع جموع أطياف الشعب المصري من أقصى اليمين إلى اليسار، كما أن المبادرة فتحت الباب للإضافة والتعديل والحذف على بنودها بإعتبار بأن ما تم التوصل اليه هو مشروع مقترح يهدف إلى بلورة مبادئ أساسية للتوافق الوطني بين مختلف القوى الوطنية للوصول إلى ديمقراطية حقيقية وليست شكلية، وكنت أود أن تصدر المبادرة من مكان آخر غير واشنطن، لأن تلك المدنية معروفة عند المصريين بأنها مهد المؤامرات ومقر حروب الجيل الرابع التي يحدثهم عنها النظام ليل نهار.
اشتملت المبادرة على بنود كنت أفضل السكوت عنها بدلا من التطرق اليها ، فالحديث عن الهوية المصرية وأن الدولة لا تتدخل فى الدين فهذا يزيد الخلاف ويعمقه، فدين الدولة معروف ومقر به فى الدساتير وهذا ليس عرفا دستوريا فى مصر فحسب، فمعظم دول العالم ومنها أعضاء في الاتحاد الأوروبي كالدنمارك ينصوا في دساتيرهم على دين الدولة ، وليس في هذا عيب ولا تخل عن مدينة الدولة ، ما دامت الدولة تكفل حرية العبادة والإعتقاد لكل مواطنيها، كما أن البند الثالث نص على أن الشرعية من الشعب وللشعب وحده، فهل يفهم من هذا النص بأن شرعية مرسي مازالت سارية لأنها مستمدة من الشعب، أم أن شرعية مرسي يجب أن تعرض مرة ثانية على الشعب لكي يقول كلمته بشأنها ، أم أن الشرعية مسروقة فعلا من هذا الشعب ويجب ان تعود اليه مرة أخرى، أم أن المقصود غير هذه المعاني.
احتوت المبادرة على بنود لاخلاف عليها، بأن 25 يناير/كانون الثاني هى الثورة الحقيقة وأن ما عداها ليس ثورة، فإن شئت فقل أحداثا أو إنقلابا ففي النهاية لا توجد في مصر إلا ثورة حقيقة وحيدة هي 25يناير/كانون الثاني ، وتضمنت المبادرة العمل على وضع استراتيجية للعدالة الإنتقالية الشاملة لكل الشهداء والمتضررين والمصابين ومحاكمة كل من تورط في الدم قبل أحداث الثورة المصرية وما بعدها وحتى الآن، فبدون عدالة انتقالية ومحاكمة للقتلة لن تكون مصر دولة ديمقراطية مدنية حديثة، كما أكدت الوثيقة على الحق فى المقاومة المشروعة، وأن من حقوق الشعوب مقاومة المستبد والديكتاتور والعمل على إنشاء دولة حقيقية من خلال عودة الجيش إلى ثكناته والقيام بوظيفته الرئيسية والمتمثلة في الدفاع عن حدود الوطن وعدم التدخل في الشؤون الاقتصادية والسياسية للدولة، ونصت المبادرة بأن العدل والأمن للمواطنين لن يتحققا إلا بإعادة هيكلة جناحي حكم القانون «الشرطة والقضاء»، وأن هيكلة تلك الكيانات صارت ضرورة قومية وفريضة وطنية في ظل الإنتهاكات التي تحدث للشعب المصري.
نحن إذن أمام مبادرة مقترحة يمكن أن يقوم عليها مشروع قومي، يمكن من خلاله إنهاء حالة الإستقطاب والإنقسام الذي دمر المجتمع المصري، ولهذا فإن تللك المبادرة – مبادرة واشنطن – تكون قد فتحت الباب لإنشاء مشروع وطني يؤكد بأن مصر وطن للجميع وبالجميع ، وعلى الجميع أن يعمل على إقتلاع جذور الديكتاتورية والإستبداد من هذا الوطن.
هذه المبادرة يمكن لها أن تنجح أو تفشل، وفي كل الأحوال لا يجوز ولا يصح بل يحرم أن يُتهم من قاموا بهذا الجهد بالخيانة والمؤامرة، بل إن هؤلاء قد اجتهدوا وقد يصيبون وربما يخطئون، وعلى كل المهتمين بالشأن المصري العمل بكل جهد وكل في مجاله من أجل إنشاء دولة ديمقراطية مدنية حقيقية حديثة.
عاصم عليوه