خلافا لسلفه الرئيس الجمهوري، جورج بوش الابن، جاء باراك أوباما؛ ليُحدِث انعطافةً واضحة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بعد مرحلة من السياسة التصادمية، والحرب الوقائية التي سبق للرئيس الأسبق، هاري ترومان، أن وصَفها بأنها أسلحة الديكتاتوريين، وليس البلدان الديمقراطية الحرّة مثل الولايات المتحدة.
تلك السياسات التي شجّع عليها المحافظون الجدد، حيث كانت واشنطن تميل إلى الانفراد بالملفّات الدولية، لكن ذلك كلّفها أثمانا باهظة على الصعيد الاقتصادي، وخسائر عسكرية، وتآكُلا في صورة أمريكا عالميا، نتيجة تورُّطها في احتلالات عسكرية، أحيانا مستبقةً لقرارات مجلس الأمن، كما في حربها على العراق 2003. هذه الانعطافة الأوباميّة التي تقترب مما فصّله المفكّر الأمريكي الإستراتيجي، جورج كينان، الذي أسّس لسياسة الاحتواء، وبناها على التفريق الأساسي بين المصالح الحيوية والهامشية. فللحرب ما يبرّرها، عندما تتعرّض المصلحة الحيوية للتهديد، على أن تبقى الحرب دوما إستراتيجية الملاذ الأخير. وأما المصالح الهامشية فيكون السعي لها بطرق أخرى كالدبلوماسية، والحوافز الاقتصادية والعقوبات واستخدام المؤسسات المتعددة الأطراف والدولية.
ولعل آخر تجليّات واقعية أوباما على الصعيد الدولي تظهر في اللقاء التاريخي مع نظيره الكوبي، راؤول كاسترو، حيث طمأن أوباما زعماءَ أمريكا اللاتينية على أن الولايات المتحدة لم تعد مهتمّة بمحاولة فرض إرادتها على المنطقة. وتأكيدا لهذا التغيير الإيجابي رفعت واشنطن اسم كوبا من قائمة الإرهاب الأمريكية، بعد أن أوصت وزارة الخارجية الأمريكية بذلك.
وفي منطقتنا العربية حاول فريق بوش الابن فرْضَ الرؤية الأمريكية في الديمقراطية، مع أن بعض حلفاء أمريكا أنفسهم لم يتجاوبوا مع هذه الطريقة، كما كان في مصر، والرئيس السابق، حسني مبارك الذي رأى أن التغيير الديمقراطي، في مصر يتطلب نضجا طبيعيا، لم يكن متحقّقا، بحسب رأيه. أما أوباما فقد صرّح منذ بداية عهده بأساليب جديدة تنتمي إلى السياسة الأمريكية الواقعية، مقدِّمة المصالح على القيم، أو متجافية عن فرْض رؤيتها فرضا، إلى الحوار، والتغيُّر الطبيعي. وكان لأوباما مواقف معلنة من الدول التي كانت تُصنَّف في محور الشر، كإيران، حيث رأى أن الحوار يمكن أن يحقِّق الأهداف الأمريكية، ويضع حدّا لتعاظم القوة الإيرانية، من دون خوض حرب، أو تحمُّل تكاليف جديدة، لم يكن الرأيُ العام الأمريكي يتقبَّلها، وهو ينطلق من نظرة واقعية لا تضخِّم القدراتِ الإيرانية، ولا سيما بالقياس إلى قوة الولايات المتحدة الساحقة، حيث لفت في مقابلته الأخيرة مع صحيفة «نيويورك تايمز» إلى فرقِ القوة الهائل بين أمريكا وإيران، قائلا: «ولكن الحقيقة أن ميزانية الدفــــاع الإيرانية 30 مليار دولار، وميزانية الدفاع لدينا أقرب إلى 600 مليار دولار، وإيران تفهم أنه لا يمكنها محاربتُنا». وبخصوص التعامل العسكري برزت آلية القيادة من الخلف، كما في ليبيا، إبّان إسقاط معمر القذافي. وفي سورية ظلّت إدارة أوباما في المراوحة بين إصلاح النظام إلى رفع الشرعية عنه ثم إلى محاولة تأهيله، أو قبوله جزءا من الحل. والمرجع في ذلك هو تقليل التورّط الأمريكي، وتقليص النفقات، وفيما يتعلق بسورية منْعُ حدوث فراغ خطير في الدولة التي تتمتّع بمكانة جيوإستراتيجية معروفة، ثم منْعُ سيطرة التنظيمات الدموية، أو الإرهابية، مثل «داعش»، على الحكم.
ولعلّ ما يلاحظ أن هذه السياسية الواقعية، كما صرّح بذلك أوباما في لقائه المذكور مع «نيويورك تايمز» هو تفضيل التضحية بخلافات تبدو بسيطة، إذا ما قيست بالمنافع الكبرى التي يحققها التوافق. ولا يسهل على الإدارة الأمريكية التضحية بمصالحها في المنطقة العربية، وفي الخليج… فكلّما لمست واشنطن ردودَ أفعال جدّية على اقترابها الزائد من إيران، كما في «عاصفة الحزم»، تعود محاولةً خلْقَ التوازن.
وهي تحاول الإبقاء على الدور الإيراني؛ لملء الفراغ في المناطق التي تضعف فيها سلطة السلطات المحلية، كما في العراق وسورية؛ لتقوم إيران بمحاربة القوى الصاعدة من المُصنَّفة أمريكياً كقوى إرهابية، أو كقوى غير منضوية في الإطار الأمريكي. وتقوم سياسة أوباما، كما يبدو من تصريحاته وإدارته، ومن مواقف هذه الإدارة الفعلية، على المراوغة بين المحورين العربي والإيراني، فطالما تقرّب من إيران لفظيا، وفي المقابل يبدي حرصا على التزامات واشنطن تجاه دول الخليج، وحماية أمنها، ومصالحها، في وجه الخطر الإيراني، كما صرّح وزير خارجيته، جون كيري، مؤخرا من أن واشنطن تدرك حجم الدعم الإيراني لميلشيات الحوثي، وأكّد، في مقابلة مع محطة «بي. بي. أس»، أن واشنطن ستدعم الدول التي تشعر بأنها مُهدَّدة من قِبَل النظام الإيراني، في الشرق الأوسط. فالفكرة التي تحتكم إليها هذه المواقف المتباينة هي الاحتواء والواقعـــية؛ وصولا إلى المصالح الأمريكية، فقد جاءت هذه التطمينات الأمريكـية لدول الخليج أثر الاقتراب الأمريكي من إيران بعد توقيع اتفاق الإطار حول البرنامج النووي الإيراني، وبذلك يقترب أوباما وإدارته ممّا أوصى به هاري ترومان، وكان حينها عضوا في مجلس الشيوخ، كما يروي كيسنجر، أن تشجِّع أمريكا ألمانيا والاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية على القتال؛ حتى الاستنزاف: «إذا أدركنا أن الرابح ألمانيا علينا أن نقدِّم العون لروسيا، وإن قاربت النصر روسيا، علينا بمساعدة ألمانيا». وهذا يدعـــونا إلى بناء إستراتيجيّـــتنا التي لا تخضع لردود الأفعـــال، وتراعي المصالح الحقيقية، وتظُّ محتفـظـةً بالمبادرة.
٭ كاتب فلسطيني
د. أسامة عثمان