واقعٌ حقيقي… واقعٌ ممزق

■ أعتقد أنه بات من الممكن الحديث والكتابة بثقة عن تبدد العديد من الأوهام والآمال التي داعبت إحباطات القطاعات الأوسع، الأفقر والأكثر عوزاً وتهميشاً بالضرورة، من الشعب المصري إبان حراك يناير الثوري، وما تلاه مباشرةً من نشوة وتفاؤلٍ ينتظر المعجزات، كما بشره بها إعلاميون هللوا لـ»انتصار الثورة».
بالطبع كما نذكر كثيرٌ من هؤلاء كانوا قد غيروا جلودهم بليل… حينها غادر الناس، وجلهم الساحق من الطبقات دون المتوسطة، الميادين واثقين مطمئنين إلى أن نظام مبارك سقط بتنحيه، وأن ذلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي ربما لم تسمع به الغالبية الساحقة من الجمهور قبل يناير، لكنهم يرونه وطنياً متخطياً للطبقات متعاليا عليها وبلا مصالح، سيقود البلد إلى بر الأمان.
لست في حاجةٍ إلى التأكيد أيضاً على أن تلك الأحلام تساقطت واحداً تلو الآخر كأوراق شجرٍ في الخريف، وحل محلها يأسٌ مضاعفٌ من التغيير، وعاد الإحباط تصاحبه بطارية من الأفكار التشاؤمية وجلد الذات النابع من تقييمٍ شديد السلبية للنفس: فـ»نحن لا أمل فينا ولا نستحق أفضل من مبارك»، الخ من الأقاويل الدارجة من العينة نفسها. والحقيقة أن الإعلام الحكومي والخاص الذي يمكن تعريفه بأنه ذاك الأكثر شوفينية وحكومية من الحكومي، وقد عادا وأظهرا جلدهما ولونهما الطبيعي المعادي لكل ما قد يمثل مكسباً، أو حتى تنازلاً للناس بعد انكسار المد وتغير اتجاه الرياح، هذا الإعلام كثر الله خيره لم يألُ جهداً ليؤكد ويرسخ لدى الجمهور المتلقي كل معاني الهزيمة والسلبية: أقنعوهم بأن ما حدث لم يعدُ كونه مؤامرةً محبوكة من الحاقدين، وأننا كشعبٍ عبيط انسقنا وراءها.. لأن الناظر حوله في مصر والمتأمل لحال البلد وحاله لن يجد أي مبررٍ للتمرد والخروج على النظام.. هوالحسد والمؤامرات من الغرب الحاقد والصهيونية العالمية وإسرائيل، التي دوخها مبارك وخشيت من سبقنا الاقتصادي وفتوحاتنا العلمية المبهرة.. وقد أعقب ذلك الإعداد وما تلاه خلال حكم الإخوان دخول «المخلص» على حصانه أو دبابته ليعدل الميزان المختل ويجترح المعجزات ويقطع رأس أفاعي المؤامرات، كمار جرجس بحربته يصرع التنين… مرةً أخرى حماسٌ وشعبيةٌ جارفة وراء المخلص الجديد، الذي أسقطت عليه كل الخصال الحميدة وآي النبوغ، فهو ذكي ومحنك ومحارب ولبق ورقيق وزد من عندك ما شئت.
والآن… تتآكل هذه الشعبية تحت مطارق الواقع الاقتصادي المتردي، والذين رضوا خوفاً من مصيرٍ مشابه لدول الجوار الآخذة في التحلل، بات يترسخ لديهم اليقين رويداً رويداً بأن ذلك وحده لا يكفي… والرضا والتسليم لا يشبعان البطون ولا يسدان تكاليف الحياة. بالطبع يحاول النظام أن يبدو بمظهرٍ نشيط، فتبنى وروج لـ»مشروعٍ قومي كبير» متمثلٍ في قناة السويس الجديدة، واستضاف مؤتمراً اقتصاديا يزعم أنه سيجعل الاستثمارات تهطل على مصر كالأرز، ذلك المحصول المغبون من كثرة التشبيه والمقارنات هذه الأيام، لكن ذلك لم ولن يترجم عن نفسه مادام الانحياز الاقتصادي والاجتماعي هو هو لم يتغير.
لا بد أن أعترف بأنني أرى أن هناك جانباً إيجابياً في كل الاحباطات والانكسارات السابقة، على الرغم من إدراكي لما كلفنا ذلك من ألمٍ وفقدان.. لا أكتبها مستخفاً وإنما مدققاً في الواقع، ومحاولا استشراف المستقبل.. لقد شكل كل ما سبق سلسلةً من التجارب خاضها الناس وعاشوها وأنضجت وعيهم، خاصةً من لا يملكون، الذين شكلوا مادة الحراك الثوري وصلبه، وبدأوا يستعيدون حساً سياسياً وملكاتٍ كانت قد ضمرت وتثلمت طيلة ثلاثين سنةٍ من الترهل والركود، هي سني حكم مبارك البليد. ما من يومٍ يمر إلا وتتبدد كل تلك التصورات الساذجة عن إمكانية الإصلاح التدريجي لدى تلك القطاعات على صدى حشرجة موت تصورٍ آخر ملازمٍ ووهمٍ مؤسس يتمثل في فكرة الشعب المتحد المنسجم؛ يأتي ذلك انعكاساً للواقع الجديد الآخذ في التشكل، حيث يبدو جلياً يوماً تلو الآخر أن هناك من لهم مصلحة في بقاء الوضع على ما هو عليه، وهم يسيطرون على السلطة والثروة ويصرون على حرمان الناس من المكاسب. في بدايات الثورة كتبت مقالاً أعبر فيه عن وجهة نظري في كون حراك يناير أعاد الاعتبار للواقع… مازلت عند رأيي، ولما كان الواقع بالضوروة وليد تفاعلاتٍ وصراعاتٍ فهو يسلك خطاً أو خطوطاً متعرجة… هو لا يعرف الخط البياني المستقيم القصير، من هنا نستطيع فهم وتقدير فوائد التجارب السابقة على ألمها، إذ لا شك في كونها أكسبت أو ستكسب الناس نضجاً وخبرةً…
الأكيد أن شكل المجتمع الجديد بدأ يتبلور بعلاقات القوى وتوازناتها الجديدة فيه، في القلب منه المؤسسة العسكرية وذراعها الأمنية المتحالفة مع قطاعٍ من رأس المال الكبير، الذي تشكل هي جزءا أساسياً فيه… وهناك من يشعرون بأن تلك الترتيبة تنتقص من نفوذهم فهم ساخطون.
إن كثيراً من الشواهد يدل على أن ثمة توتراتٍ داخل ذلك الائتلاف الحاكم من عينة الفريق أحمد شفيق الذي يحوم ويناوش كدبورٍ مزعج، وهو بالتأكيد لا يعبر عن شخصه، وإنما يمثل جملةً من المصالح، ومن يدري ربما جناحاً داخل المنظومة العسكرية – الأمنية.. نجد في المحصلة أنه مقابل تلك الصورة الوهمية لمجتمعٍ منسجمٍ متماسكٍ يحفر قناة سويسٍ جديدة وسوف يصنع المعجزات، يوجد الواقع الحقيقي… الرث الكئيب.. واقعٌ ممزق لكنه حقيقي، يجلده الغلاء ورفع الدعم وتغول الأجهزة الأمنية وحملات الانتقام الشرسة ومن كل المعارضين، بل الآن تصفية الحساب بين شركاء التحالف الحاكم أيضاً… فوضى في كل شيء… واقعٌ تعطلت فيه السياسة وانغلق أفق العملية السياسية وفرص تداول السلطة تحت وطأة يد الأمن الثقيلة في محاولة العودة إلى ما كان بأساليب أكثر غلظة بمراحل…
في ذلك الواقع الحقيقي، لا المزور، تبدأ كل طبقةٍ تبحث عن مصالحها، وتتناقص صفوف من تخدعهم دعاوى الوطنية الفارغة من أي مضمونٍ حقيقي، هناك تنامٍ مذهل في عدد الاعتصامات العمالية على سبيل المثال، وأسئلةٌ جوهرية في كل شيء وعن كل شيء تطرح، وشكوكٌ عميقة في كل المسلمات…وحدها الطبقة الحاكمة لم يكن لديها أي أوهام منذ البداية..
ظاهرةٌ أخرى مفزعة طرأت على هذه الصورة القبيحة العنيفة أصلاً: الاختفاءات القسرية. المشكلة ليست فقط في بشاعة الجريمة وأعمار من تطالهم، بل ما يشير إليه ذلك من رفع سقف العنف لمستوياتٍ لم تعتد عليها مصر، وإطلاق يد الأمن يرهب بدوره ويصفي حساباته ويكرس لوضع النظام كيفما ارتأى، بما يؤدي إليه ذلك من ابتذال العنف والدم حتى يصير أمراً عادياً عابراً لا يتوقف الناس أمامه.
مازال هناك الكثيرون يتشبثون بأوهام إصلاحٍ تدريجي فيتجاهلون المؤشرات ويشيحون بوجوههم عن القبح والقمع، ويلهون أنفسهم بالاحتماء بالحنين لأزمنةٍ مثالية من الرخاء والأناقة والانسجام غير حقيقية يغذونها بخيالهم وأمانيهم. بالطبع لكل شخصٍ مطلق الحرية في قناعاته ورؤاه، لكن أخشى ما أخشاه هو أنه حين يضطر هؤلاء للإقرار بقبح الواقع وفشله سيكون الوقت متأخراً وتغييره أكثر تكلفةً.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية