واقع الشّعراء وتحوّلات الشّعر في الرّاهن الأدبي

حجم الخط
0

في إطار تشخيصه وتقويمه للحال الشّعري الرّاهن الموصول بالواقع الثقافي والمجتمعي، قدّم بيت الشعر الفرنسي بيانا وضّح من خلاله ملابسات هذه الحالة، منطلقا من قولة للشاعر الفرنسي ألفريد دي فينييه، استخلصت من بعض دفاتره المنشورة بين عامي 1940 و1942: «لقد فقد الشعر كرامته ونال العقاب من خلال الازدراء الذي جعله يعتبر مثل شيء متواضع لا يمكن أخذه مأخذ الجدّ».
وقد عقّب البيان على هذه القولة بقولة أخرى لشاعر فرنسي آخر من الحقبة نفسها هو لويس كيشيرا الذي ذهب بالقول إلى أنه قد ولّى ذاك الزمان الذي كان الشعر فيه يبدو ذا جدوى، وحيث إنه بكلّ بساطة كان يعني «فن الكتابة بالأبيات». وكلتا القولتين تعكسان بداية المواجهة بين تيار الشعر المنظوم والشعر الحرّ، كما يثبت البيان ذاته. على الرغم من أن هذه المواجهة همّت التيار التقليدي ذاته في إطار تعدد الاتجاهات والمذاهب (الكلاسيكية، الرومانسية، السريالية، القافية من أجل الأذن والقافية من أجل العين….)، ولذلك مبرّر طبيعي موسوم هو أن الشعراء سريعو الغضب، كما وصفهم بذلك هوراس. ويذهب البيان إلى أن ظهور تيار الشعر الحرّ، خفّف بالعكس من غلواء المواجهات الشعرية، نظرا لارتكان المواقف إلى حقائق جمالية عوَض الانطباعات والأحكام الذاتية.
والآن، وبعد مرور قرن ونصف القرن من تلك المواجهات البدئية فإن المواجهة بين النظم التقليدي والشعر الحر، تبدو أقل حدّة وأقل صفاقة ولكنها توجد دائما. والفرق بين هذين العصرين على خلفية هذه المواجهة الشعرية هو أنه في عصرنا هذا ظهرت مفارقة نوعية لا تقل خطورة عن تلك المواجهات، وعلى مصير الشعر ذاته، وتتجلى في ظاهرة التراجع النوعي لوظيفة الشعر حتى على مستوى المناهج الدراسية، والتقلص الهائل في الأعداد القارئة والميول القرائية للشعر، مقابل التنامي المفرط في كتابته ونشر كتبه.
وبالتأكيد فإن الشعر كان دائما يبحر من أزمة إلى أزمة، وكلّ عصر كان يشتكي من المرارة والاستياء. ولكنّ الحقيقة الثابتة أن الشّعراء دائما كانوا يمثلون الوفرة والتعدّد، ربّما لأنّ الرغبة في «الخلق» وفي «التعبير» بشكل شخصي أصبحت بالتدريج ملحّة في مجتمع موسوم على الثرثرة أكثر من اللازم، حتى لا يكاد يقال شيءٌ ذو أهمية.
وبالتأكيد أيضا على أن الشعر يبدو وكأنه سهل المنال بمقتضى أن أداته اللغة وهي في متناول الجميع. وعلينا أن نكون قادرين على التأكيد أيضا على أن الشعر المكتوب بالصيغ المتحررة من العروض تبدو أكثر سهولة وتغري باختبار قدرات التجريب من لدن الجميع، الأمر الذي لايبدو صحيحا بكل المقاييس، حتى أن بعض الصحف والمجلات تنشر هذه التجارب تحت معيار «الشعراء المجيدين»، وهي عبارة جدّ ملتبسة ولا تتوافق في الغالب إلا مع الاختيارات الانطباعية باسم الذائقة الشخصية، ومن غير تبرير أو حجّة دامغة، ولاسيما من خلال الأدوات التقنية. أمّا الحجة المتاحة دائما فهي أن قصيدة ما يتعيّن أن تكون عملا مبنياً وأن تتفاعل بذاتها من خلال فضائها الذاتي، من غير أن تحتاج إلى أي تفسير أو تلميع، فالشعر سيظل دائما فنّا.
ومع ذلك يجب عدم التردّد أيضا في القول بأن هذه المسوّغات تبقى في الغالب كلاما نظريا يصعب تخصيصه، ذلك لأن توصيف العمل الجيد مرتهن بشروط وعوامل الجودة التي لا تتحدّد فقط على مستوى الكتابة، من قبيل الصور والأخيلة وحس الإيقاع، وإنما أيضا على صعيد المشافهة والإلقاء من خلال استثمار المدى الصوتي وتحقيق جمالية التنغيم والاشتغال على زوايا اللغة المتلفَّظ بها. وعبْر هذا الملمح الأخير بدا أن كثيرا من الشعراء أخذوا من خلال هذا المنحى الإلقائي التداولي للشعر، ومن خلال حفظه وخزنه في الذاكرة يأملون في العودةَ إلى المرحلة الشفاهية التي تعدُّ أيضا من محدّدات الشعر. والواقع أن هذه العلاقة بين الكتابة والمشافهة الشعريتين تعكس الظلال الثابتة لأمجاد الشعر، وبأن الاختفاء النسبي للشعر الشفاهي يتأتى من تقلّص الحياة الشعرية. ولعلّ ذلك ما قصده ألفريد دو فينييه من خلال قوله بأن الشعر فقدَ كرامته. فهذه العبارة وإن كانت تجعلنا نتألم من تراجع مقام الشعر في هذه الأزمنة، إلا أنها تحيلنا في المقابل إلى النجاحات الشعرية لبعض العصور الأخرى. ومع ذلك يبقى الشّعر دائما على حد تعبير لويس كشيرا هو «فن التعبير بالكلمات» ولكن بالنظر لأيّ متعة؟ ولصالح أيّ قضية؟

٭ شاعر من المغرب

واقع الشّعراء وتحوّلات الشّعر في الرّاهن الأدبي

عبد السلام ناس عبد الكريم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية