المثل الذي يقول ان «الواقع هو كما يراه كل بعينه» قيل قبل مئات السنين، ولكن قوته قائمة حتى في النظرة إلى المجتمع الإسرائيلي في بداية 2016. تعالوا ننظر إلى إسرائيل بعين رجل اليسار، كثير الحقوق، والذي أقدره واحترمه.
بعيني الرجل، فان العنصر اليهودي في هوية إسرائيل يأتي في عهد بنيامين نتنياهو ـ الذي ينشر كراهية الاجانب بشكل عام والعرب بشكل خاص ـ على حساب العنصر الديمقراطي. يدور الحديث عن ثورة نحو نظام غير ديمقراطي، قومي متطرف وعنصري، منقطع عن وثيقة الاستقلال ويسير نحو هوية ثنائية القومية جديدة في دولة ابرتهايد.
رجل اليسار اياه الذي ينظر إلى دولة يخاف فيها القضاة ردود فعل الجمهور، يلاحق فيها الفنانون وتخشى الاقليات على مصيرها. وعليه فهو يتخوف من أن تكون الدولة توجد في الطريق إلى انتحار الديمقراطية. وهو يعرف بان الاستعمار انتهى من العالم. ولهذا فهو يدعي بانه مثلما طردت فيتنام والجزائر عنها الاستعمار الفرنسي هكذا ستقوم دولة فلسطينية.
رجل اليسار ينظر حوله ويرى رفاقه يائسين من الواقع، الواقع الذي هو كابوس لكل شخص ليبرالي، ديمقراطي ومحب للسلام. ولكنه يبقى متفائلا، لان برأيه نهاية القوى الليبرالية في الدولة الانتصار على القوى القومية المتطرفة والمناهضة للديمقراطية. ولكنه يعرف بانه إلى أن يأتي الانتصار، سيكون بانتظارنا استمرار الحكم الذي يدمج عناصر الديمقراطية والثيوقراطية. وكل هذه ستجعل الحياة هنا لا تطاق.
مقابل صورة الكابوس يقف واقع هادىء وأكثر توازنا، لا يقوم على اساس الاحاسيس والتقديرات بل البحوث والاستطلاعات.
فمثلا تقرير جدول الديمقراطية في إسرائيل للعام 2015، والذي نشره في تشرين الثاني المعهد للديمقراطية، والذي لا يختلف فيه احد بأنه ليبرالي وديمقراطي. ابتداء من الصفحة 136 للتقرير يجري واضعوه مقارنة بين إسرائيل ودول العالم في موضوع الديمقراطية، فيما أن المعايير هي الحرية، حرية الصحافة، اداء الحكم، حقوق المواطنين، المشاركة السياسية، الرضى عن الحياة في الدولة والفساد.
الاستنتاج الذي ينشأ عن المقارنة هو أنه بين الدول الديمقراطية توجد إسرائيل في مكان جيد في الوسط. وفي ما تتعلق بالرضى عن الحياة في الدولة، تحتل إسرائيل المرتبة الثالثة والمرتبة الثانية في معيار المشاركة السياسية. في حرية الصحافة تصل إسرائيل إلى مرتبة متوسطة حتى عالية وفي اداء الحكم في مرتبة متوسطة. اما في الفساد فمرتبة إسرائيل ليست لامعة على الاطلاق، وعن حق.
تقرير الـ OECD ايضا، الذي رفع هذه الايام، يشير إلى أن 80 في المئة من مواطني إسرائيل يبلغون عن الرضى عن حياتهم مقابل نحو 69 في المئة في باقي دول المنظمة. والتقرير ذاته يرسم صورة اقتصادية واجتماعية متوازنة، سياسة اقتصادية ومالية عاقلة وفي نفس الوقت معدل فقر عال واسعار شقق مضنية.
صورة الواقع في نظر رجل اليسار تتغير عند مراجعة الهجرة إلى إسرائيل التي توجد في تصاعد. فنحو نصف الـ 31 الف مهاجر في 2015، اغلبيتهم الساحقة عائلات وشبان، جاءوا من دول غربية ليبرالية. بمعنى انهم لا يشترون التوقع الاسود الذي يقول انه سيسود في إسرائيل نظام دكتاتوري ثيوقراطي. ولا أنا ايضا. لا يمكنني أن اقبل مبالغات منفلتة العقال، تعميمات عديمة الاساس ورؤية احادية الجانب للواقع، تساعد كل اولئك العاملين على تقريب نهاية الدولة اليهودية.
معاريف 9/2/2016
عاموس جلبوع