وثيقة فنية نادرة في الجامعة الأمريكية في بيروت: العري مستنهضاً في استعادة لأعمال في زمن الاستعمار

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: في زمن الانغلاق، وانتعاش العبودية الجنسية سراً أو علناً، مباشرة أو مداورة في عالمنا العربي بحق النساء وأجسادهن، كان للجامعة الأمريكية في بيروت وبمناسبة 150 سنة على تأسيسها معرض بعنوان «أنصار العري: الفنان المستنهض». عشرات الأعمال الفنية من لوحات ومنحوتات شكلت حالة فريدة عن فن بدأ يوضع في المستودعات. فن يرفض كثيرون أنه كان موجوداً في عهدي الاحتلال العثماني ومن بعده الأوروبي.
هو نبش للذاكرة بالعودة للحقبة العثمانية مع كنعان ديب في منتصف القرن التاسع عشر، ومن بعده داوود قرم، فيما كان يعرف حينها في سوريا. ومن بعدهما كرّت سبحة لفنانين، وصاروا لاحقاً علامة عربية تحكي حضورهم وتجسد رؤاهم عن الحداثة العربية. فقد بدأ هؤلاء رسم العري ولم يكن بعد للهوية العربية شكلها الواضح، وهم كانوا منخرطين بشكل أو بآخر في نضال ضد الاستعمارين على التوالي. في هذا المعرض الذي يمتد حتى منتصف القرن العشرين، كنا مع مقاربات تصويرية مختلفة لفن العري، طورتها أجيال عدّة من الفنانين العرب في مصر، فلسطين، سوريا، العراق، الجزائر ولبنان. وقد أرسى بعض هؤلاء الفنانين لاحقاً تقاليد الفنون الجميلة وأركانها في بلدانهم، أو هم أصبحوا فنانين معاصرين حقيقيين لناحية استقلالهم الفني.
يقول معرض «أنصار العري: الفن المستنهض»، بأنه فن موجود، والنكران لا يجدي، وبأن الفن عبّر عن عري الرجل، وليس المرأة فقط. هو عري بصري تصويري غالباً لم تُنحت فيه الكثير من الأبعاد الإيروسية، والسبب في ذلك بحسب بعضهم هو الاستعمار الذي كان يصمم على إشعار من يستعمرهم بالدونية والنقص.
نحن أمة تعبّر بلسانها شعراً وخطابة بما يفوق الوصف لحالات الحياة جميعها، لكنها تُحجم عن الاعتراف باللوحة العارية، ولا تقبل قطعاً بعري الرجل. ربما حفاظاً على هالة تسلطه الذكوري. لكن استعماراً من نوع جديد حطم تلك القناعات التي لم تجد من يحميها عندما ظهر العري العربي مُهاناً، وفي أجلف صوره، وممولاً من قبلنا في سجن ابو غريب العراقي.
مع «سجينات» داوود قرم «أب الفن اللبناني» كانت الرحلة الأولى عبر أبواب المعرض الشاسع، إلى خليل الصليبي الذي مدّ بين النظر والبعد الجغرافي للوحة «آدم في عدن» خيط حوار، والأمر نفسه مع حوّاء التي وقفت جامدة في صورة خلفية. ومن متحف جبران في بشري أحضرت مجموعة كبيرة من عارياته الشهيرات، وفيها تشابك الجسد العاري البشري مع رأس حصان، في لوحتين طوليتين رسم جورج حنا صباغ 1924 جسد المرأة بألوان دافئة وحركة شبقة. حاول عمر الأنسي التحايل على الشبق البشري وترك للظبية أن تشتم رائحة العري. وهو في لوحات أخرى مارس افعالاً عبثية بهذا العري فإذا به مستلقياً، مصلوباً أو معاقباً. وكانت صور فوتوغرافية بالأسود والأبيض مباشرة الخطاب والمقاصد وتلقائية جداً. وفي أخرى مالت نحو اللهو والمراهقة.
نادر الحضور النسائي في معرض العري، منها منحوتات لسلوى روضة شقير التي تقصدت وضع الوشاح على رأس منحوتتها العارية. أرادت شقير تدمير الواقع، فيما أشارت ماري حداد إلى العارية بوجه مخف وذلك في سنة 1934 رغم تسامح المجتمع. عاريات مصطفى فروخ لم يكنّ متكلفات. العاري لدى صليبا الدويهي ظهر بقلم الرصاص والورق الذي لحقت به اتعاب الزمن. وضم المعرض منمنمات جزائرية لمحمد راسم راوحت بين عري وتستر. وفي 1898 رسم حبيب سرور المرأة والرجل منفردين بتعبير جسدي هادئ. وفي النصف الأول من القرن العشرين رسم قيصر الجميل الحسناوات في حديقة مبتهجات. ورغم الغزارة في عاريات رشيد وهبي، اختيرت له لوحة واحدة انيقة للعشيقة وخادمتها.
لم يقتصر المعرض على اللوحات والمنحوتات، خاصة أنه ليس بفعل عابر وسريع، بل ترافق مع أبحاث ومحاضرين. وفي «الأوديو» أتيح سماع حوار صحافي مسجل قديما مع مريم خيرو، وهي أول موديل في الأكاديمية اللبنانية للفنون، التي تابعت مهنتها تلك في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية الفرع الأول حتى آخر لحظة فاصلة بين فعل الثقافة والوعي وفعل الانغلاق.
دُفنت الموضوعية منذ زمن، كان للفن دور محاولة الاستنهاض في مرحلة الاستعمارين ومحاولة لإعادة تشكيل الذكورة التي جرى تحطيمها، وبناؤها وفق منطق حديث، لكن التحديات لا تزال تنهمر. ويبقى معرض «أنصار العري: الفنان المستنهض» جهداً مميزاً، ووثيقة للتاريخ.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية