وجع الأيام… وانسياب العمر

حجم الخط
1

ها هو صوتها ينسكب على روحي كزخات المطر الآسرة، يالله كم يجب عليّ أن أحتمل تغريدها الصباحي الذي يقلبني بين نارين! نار حبها، ونار الفراق الذي كتبته لنا الأقدار التي انتزعت مني روحي حين رحلت حبيبتي عني آلاف الأميال! لم يكن يوم اللقاء معروفا بعد أعوام طويلة مرّت كسحابة صيف أو ربما مرت كسحابة طيف، لست أدري كيف حمّلتُ قلبي كلّ هذا الوجع طوال السنوات الفائتة، وكيف مرت هكذا سريعة رغم الوجع، ربما هي رحمة الأقدار بنا حين يعييها سبيل المواساة! تراه مؤنسا أم مذنبا هذا اللقاء الذي كان؟ تبدو لي كما هي رغم أنها تجاوزت الأربعين بقليل، القسمات نفسها والبسمة نفسها وأظنها الهمسة نفسها التي طالما أشعلت في قلبي رغبة احتوائها لتكون في أمان من الأيام المقبلة! الأيام التي صارت الأيام الماضية ذاتها!
لا زلت أذكر أنها كانت تحب المساء، وأنها كانت لا ترتدي البنطلونات، وأنها كانت تعبث بأصابعها طوال الجلسة، ولازلت أذكر أنها كانت تذوب خجلا كلما غازلت عينيها بأهدابي التي كانت تعانق أهدابها، ولا زلت أذكر وعدها أننا لن نفترق، وكذب الوعد، ولكن صدقت حبيبتي! ترى ما هذا القدر اللئيم الذي حين فرقنا قرر أن يجمعنا من جديد حين أكون قد اقتربت من الخمسين! نصف قرن أمضيت أكثره معذبا لتنساب على مسامعي مرحبَتُها ذات صباحٍ واعدتني فيه على فنجان قهوة وأنا مذهول أني أراها من جديد.
قالت: لعلنا لم نفترق أبدا ..(1)
وقلت لها: التقينا إذن
الذين قالوا وحدها الجبال لا تلتقي أخطأوا
والذين بنوا بينها جسورا
لتتصافح دون أن تنحني
أو تتنازل عن شموخها
لا يفهمون شيئا في قوانين الطبيعة
الجبال لا تلتقي إلا في الزلازل والهزات الأرضية الكبرى
وعندها لا تتصافح، وإنما تتحول إلى تراب واحد ..(2)
شكرا لأبيات الشعر التي يبدو أننا قرأناها معا، بدون موعد سابق، ليست أبيات الشعر التي تجمعنا بعد مرور كل هذه السنوات فقط، إنها الألوان والألعاب والهوايات نفسها!
وأدمنت صوتها الصباحي، وأنشودتها وقت المساء وأدمنت هي غزلي الذي غادَرَته دهرا فعاد إليها نهرا أنساني ألا أعبث بما لم يعد لي، وأنساها ألا تعبث بما ليس لها، وصار اليوم يمر بأعجوبة مهما بلغت شدة الزحام وقسوة الآلام في الحياة، صار اليوم يمرّ جميلا كما كان حين كانت حبيبتي صبية صغيرة.. ومع كل هذا السحر لا أستطيع أن أنكر أنني كلما رجعت مساء إلى أحضان أبنائي الثلاثة، وكلما تلمست وجنات صغيرتي ذات السنوات الأربع بَهُتت صورة حبيبتي، وكلما ناداني شبلي لأطبع له بعض الورق، أو كلما كانت بكري تناديني بـ: بابا، أذكر سؤال حبيبتي: ماذا ستقول لها لو سألتك عني؟ في تلك اللحظة المغمورة بالحب قلت لها إني سأجيبها: هذه التي كنت أرجوها أمّا لك! ولكنني حين أراها – ابنتي – آنسةً تطاول أمها أتراجع عن قولي، وأهرب من صورة حبيبتي التي تعاتبني على هذا الهروب! صراع ظل يتشاجر ويزدحم بين ضلوعي كل مساء، ويضيع في الصباح وسط تغريدتها الناعمة! كنت أعلم أن النهاية التي تقترب حتما أو عمدا ستكون قاصمة تكسر الماضي الذي كان، والغد الذي كان المفترض أن يبقي على الذكرى البريئة بدون أن تدنسها الخيانة، اليوم وبعد مرور سنوات عديدة أخرى على هذه النزوة أعترف أني وددت مرارا مصارحتها بأنّ هذا العبث يجب أن يتوقف وأعترف أنّي غير مرة تراجعت لأنني أشفقت عليها من ضياع الحلم مرتين، حتى ارتفعت وتيرة الموج الذي غمرني وصغاري ذات مساء، رأيتها في البحر ذاته تصارع رهاب الموت للحياة غير أن يديّ لم تحتملا أكثر من منى وأحمد وغيداء وأمهم! أذهلني الموقف وشغلني عن حبيبتي التي ما إن وصلتُ للشاطئ حتى رأيت ذراعها ترتفع في آخر محاولة نجاة، كانت المسافة بيننا أبعد من أن يسمح بها الزمان وحين قررت أن أصارع الزمان لزمت الصغيرة قدميّ: بابا لا تذهب وعيناي هناك، عالقتان في الأفق المائي الذي ابتلع (لمايَ) مع بقايا السفينة العاثرة !!
لعلنا لم نفترق
لكننا لن نلتقي أبدا (3)
ورحلت حبيبتي، ورحلت لمى ويا ليتها رحلت بدون أن يغرقها مركبي العاثر، لازلت إلى اليوم أقف على شرفة منزلي أنفث دخان سيجارتي، وأنفث معها وجعي أنني ذهلت عن إبقائها حين قتلها الحب!

كاتبة من سلطنة عُمان

(1)+(3) محمود درويش – (2)أحلام مستغانمي

سلمى اللواتية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية