أحصيت خمسة مايكروفونات أمام خالد مشعل في عزاء والدته في عمان، منها مايكريفونا محطتي «الأقصى» و«القدس»، وهو «يشكر» الأردن الرسمي لأنه سمح له بـ «دفن والدته».
بحثت فورا عن أسباب «الغصة» التي شعرت بها، فأنا شخصيا لا أحب ان أشكر «بلادي» إطلاقا لأنها «تسمح لي بالمشاركة في دفن والدتي».
صحيح موقف الدولة الأردنية مشكور ومسؤول وأخلاقي ومقدر، لكن صحيح أيضا أن مشعل مواطن يحمل أو كان يحمل «الجنسية الأردنية»، وبالتالي من حقه طرح السؤال الذي رن برأسي عندما دفنت والدتي – رحمها الله – بلسان الصديق والشاعر باسل طلوزي «.. هل نترك لهم العالم ونندفن؟»!
كل ما أعرفه أن مشعل عندما حاول الموساد اغتياله في عمان في وضح النهار كان أردنيا والملك حسين وضع اتفاقية «وادي عربة» بكفة وحياته بكفة فخضعت إسرائيل.
عندما أبعد مشعل تم إبعاده كمواطن أردني، وعندما تم تخييره بين الجنسية والمحاكمة وحركة حماس اختار المقاومة، لكنه كان مثلنا ومثل رئيس الوزراء هاني الملقي، فقد حمل يوما رقمه الوطني الأردني، وكان يمكن أن يحصل مثل غيـره على كوبـونات دعـم الخـبز.
تشكرات على قبر
لا يهمنا البعد السياسي بالمسألة.. كل ما يهمنا الرغبة بالعودة للتنديد وفي كل اللغات بأي حالة تسحب فيها جنسية ولو خاروف أو نعجة أو قطة ترتع في أرض بلادنا.
حتى الحاجة المتوفاة فاطمة مشعل، رحمها ألله، أردنية وعندما تدفن أي أردنية نشمية ينبغي أن يهيل ولدها عليها التراب بصرف النظر عن موقفه السياسي أو جنسيته الحالية ودون أن يجد نفسه مضطرا لشكر الحكومة.
مبادرة الملك بخصوص مشعل مشكورة فتلك أخلاق الهاشميين، لكن في الجانب القانوني وليس السياسي أقولها بصراحة: لا أحب أن أشكر أي جهة رسمية أو أهلية لأنها سمحت لي بالبكاء على قبر أمي.
مصافحة لم تكتمل
أطربتني عبارة «المصدوم»، التي خرجت من مذيعة الأخبار على محطة «النهار» المصرية وهي تغطي بالمباشر استقبال القصر الرئاسي الفرنسي لبعض زعماء العالم.. قالت الفتاة مشدوهة.. «ألله .. إيه اللي بيجري…هو الرئيس الفرنسي مش حيستقبل الرئيس بتاعنا».
طبعا الصدمة تلفزيونيا لا يمكن اخفاؤها فالكاميرات كالبرد تكشف «المغص» والقصة لها علاقة بإدارة رئيس فرنسا لظهره عندما أطل الرئيس عبد الفتاح السيسي حصريا وترك مهمة الاستقبال لوزير الشؤون الخارجية.
لو كنت مكان السيسي – لا سمح الله ولا قدر- لعدت أدراجي وطردت السفير الفرنسي وطلبت من استثمارات فرنسا مغادرة البلد.. لو كنت لاستذكرت كل ماضي فرنسا الإستعماري في منطقتنا وحرضت التراب على الفرنسيين.
طبعا لو.. لكن صاحب قصر الأليزيه لم يكن ليفعلها لو أدرك للحظة أن ذلك يمكن أن يحصل وإن كنت كعربي محب لمصر من النخاع أشعر بالحسرة لأن مصر الكبيرة وأم الدنيا تكومت على شكل رئيس لا يستقبله رؤساء العالم، فقبل فرنسا شاهدنا وعلى «الجزيرة» باراك أوباما الراحل قريبا من البيت الأبيض يدير ظهره بالطريقة نفسها، فيما يصطف السيسي انتظارا لمصافحته.
فعلها أوباما، رغم أنه على حفة قبره الرئاسي، فيما مصر قد تعلق لثلاثة عقود مع الجنرال السيسي وأحفاده كما علقت سابقا مع الريس محمد حسني مبارك.
شخصيا أفهم الدرس التـالي: لا تكفي نياشـينك العسـكرية لضمان مقعد مـحترم لك مع الكـبار ولا يسـتطيع «إنقـلاب عسـكري» في أي مكان التـمتع بمصافـحة زعماء أهـم 20 دولة في العـالم الديمـقراطي.
الانقلابات مكانها التبعية حتى لا أقول شيئا آخر وطبعا وبما أننا في أجواء المقابر نزيد: لا عزاء ولا مصافحات لأي انقلاب.
تقسيم سايكولوجي
عبر دائرة تلفزيونية مغلقة هذه المرة يتحدث جون برينان، مدير الإستخبارات الأمريكية مع معهد «سي تي سي» عن احتمالات قوية لتقسيم سوريا والعراق، بسبب صعوبة إقامة حكومة مركزية في البلدين.
الأمريكيون يقسمون الموحد ويوحدون المقسم ويلعبون بالخرائط ويتسلون بهذه اللعبة… يمولون جماعات مسلحة ويبتزون الأنظمة ثم يتحسرون على الشعوب الضحية ويبيعون السلاح في الأحوال كلها.. يا ويله اللي بيخالف الأمريكيين أو معه فلوس من الأنظمة سيأتي «الكاوبوي الأمريكي» ومعه هالأيام «الدب الروسي» بهدف التمزيق ثم تقرير مصير الممزق.
الرجل بتاع الـ «سي أي. إيه» نفسه سبق أن أطلق النذر المشؤوم ومن قبله في الموقع نفسه غرق في التوقيت نفسه قبل أن تشتم الكرة الأرضية رائحة الموت والمقابر في سوريا والعراق.
في بلادنا يُقال لمن يروج للتعايش مع خراب مالطا، إحصل على كمية كبيرة من الحناء وأدهن بها جسدك ولا تنس المواقع الحساسة».
هل يوجد في أسواقنا كمية الحناء المناسبة لرجال الاستخبارات الأمريكية من ظهر منهم ومن بطن؟ التقسيم السايكولوجي حصل أصلا في العراق وسوريا وبقي العملي والتنفيذي وكل عام وهذه الأمة المنقسمة بأي خير أو أي قبر!
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين