رغم أن الكثير من المسؤولين المغاربة رضعوا الحليب من ثديي «ماما فرنسا»، فإن ذلك لا يشفع لهم أن تكون بلادهم (المستعمرة السابقة) في منأى عن الهمز واللمز من لدن بعض وسائل الإعلام الفرنسية، مثلما فعلت قناة «فرانس 24»، منذ بضعة أيام، حينما بثت صورا عن احتجاجات في فنزويلا على أنها مشاهد من «حراك الريف».
وخلافا لما كان يُتوقع، فإن الفضائية الفرنسية المذكورة لم تعتذر للمغرب، وإنما تقدمت بالاعتذار لمشاهديها فقط، في بلاغ موجز تلته إحدى المذيعات. وقدّمت القناة روايتها الخاصة لما وقع، بالقول إن عطبا تقنيا في جهاز البث تسبب في ظهور صور لمدة أربع ثوان لم تكن مناسبة للموضوع المتناول بالتحليل، وذلك خلال مداخلة هاتفية من المغرب حول أحداث الحسيمة. وتابعت القناة موضحة أن الصور التي وردتها عبر الوكالات كانت تغطي موضوعا آخر من مكان آخر، مؤكدة أنها حرصت على تدارك هذا الخلل في نشراتها اللاحقة.
جاء هذا التوضيح على إثر رسالة الاحتجاج التي بعثها وزير الثقافة والإعلام المغربي إلى الرئيسة المديرة العامة للشبكة الإخبارية الفرنسية، حيث وصف ما وقع بـ «التدليس والتضليل»، وكذلك بـ «السلوك التحريضي الذي يتعارض مع أخلاقيات الإعلام». وفي ما يشبه الرد على هذه العبارات، قالت «فرانس 24» في بلاغها إنها تجدد التأكيد على أن جميع هيئاتها التحريرية تعمل في جو من المسؤولية والمهنية، وتقوم بتغطية الأحداث الدولية بكامل الموضوعية والاستقلالية.
هكذا، إذن، أرجعت «فرانس 24» فعلتها المستهجنة إلى العامل التقني فقط، مستبعدة التدخل البشري المقصود في ما وقع، حتى لا تُنعت بالتحامل الممنهج على المغرب.
مظاهرات في قطر أم في السعودية؟
والواقع أن تلفيق الصور سلوك رائج هذه الأيام في العديد من القنوات، فقد قدمت قناة مصرية تقريرا لما اعتبرته مظاهرات احتجاجية في قطر، لكن الصور المستخدمة هي من خبر سابق حول السـعودية يتعـلق بمظاهـرات شعـبية في منـطقة الـجزيرة.
ليس كاتب هذا العمود من ضبط القناة المصرية متلبسة بالجرم المشهود، وإنما برنامج «فوق السلطة» الذي تقدمه فضائية «الجزيرة» هو من قام بذلك، حيث تساءل معده ومقدمه الإعلامي اللبناني نزيه الأحدب قائلا: «نظرا لندرة المظاهرات في الخليج، لماذا لا يستعين الشباب بمشاهد سينمائية لفيلم «لورانس العرب» ـ مثلا ـ بدل إحراج السعودية؟»
والواقع أن هذا البرنامج الحافل بالسخرية والانتقادات الطريفة يشد الأنفاس ويجبرك على مشاهدته من أوله حتى آخره. ومن بين مستملحاته تعليقه على ما وقع للمذيع السعودي الأسرع شهرة في العالم محمد الذيابي الملقب بمذيع «الهمبرغر» الذي توجه بالشكر إلى مراسل قناة الإخبارية السعودية في العاصمة الألمانية «همبرغر».
وقال مقدم برنامج «فوق السلطة» إنه بمناسبة تحويل العاصمة الألمانية، عمّت الاحتفالات مطاعم الوجبات السريعة حول العالم، وقدم البرنامج مشهدا تمثيليا ساخرا لما يمكن أن تكون عليه عواصم العالم في المستقبل إذا بقيت «الإخبارية» السعودية على الهواء: العاصمة البريطانية كسكس، العاصمة الفرنسية شاطوبريان، العاصمة الإيطالية بيتزا، العاصمة الأمريكية ستيك هاوس… وهلم جرا.
إذا كانت «فرانس 24» تشابه عليها البقر، فجعلت الحسيمة مدينة في أمريكا اللاتينية، وهي تفكر في ما يرفع من منسوب الغضب المغربي، فالظاهر أن مذيع «الإخبارية» السعودية كان يفكر في معدته وهو يستضيف مراسل قناته على الهواء مباشرة من العاصمة برلين!
فساد في الشمال والجنوب
خصصت قناة «الغد» أحد برامجها الحوارية، أخيرا، لـ «حراك الريف»، تحت عنوان «الفساد في المغرب بين الردع والتجاهل»، حيث استضافت طارق السباعي (رئيس هيئة حماية المال العام) والطيب الغيلوفي (الخبير في الشؤون المغاربية). واللافت للانتباه في الحلقة أن المتحدث الأول استحضر الحراك الموجود في جنوب المغرب، ولاسيما في كلميم التي أعطى مثالا على الفساد في هذه المدينة بوجود اعتراضات من طرف بعض المسؤولين المنتخبين على مشاريع تم التوقيع عليها أمام العاهل المغربي، وتتمثل في بناء مستشفى وتشييد طريق سيار. وقال إن الفساد منتشر في أكثر من مكان بالبلاد، مما سيجعل الحراك يعمّ كافة المناطق إذا لم تتم محاكمة المفسدين وناهبي المال العام.
أما الخبير الطيب الغيلوفي فاستحضر الحراك الذي شهدته مدينة تطاوين التونسية، حيث أدّت الاحتجاجات إلى محاكمة المتسببين في الفساد. وقال إن المغرب مدعو إلى أن يفتح صدره للمعتصمين ويستجيب لمطالبهم الاجتماعية.
مؤسف حقا أن يجد المشاهد المغربي قضاياه اليومية على طاولة النقاش في القنوات العربية والأجنبية، بكامل الجرأة والمهنية والموضوعية، ولا يجدها في قنواته الوطنية التي لا تشفي غليله، وإنما تكتفي بترديد الرواية الرسمية والاقتصار على زاوية نظر وحيدة!
كاتب من المغرب
الطاهر الطويل