كانت التلفزيونات المغربية مجحفة وجاحدة في حق الطائر الميمون، الذي حلّق من الدار البيضاء إلى قاهرة المعز، حاملا معه صفوة من الوجوه الفنية والثقافية؛ ولم تخصص أطقما إخبارية من أجل مواكبة النشاطات المكثفة لتلك الوجوه، وتقديم تغطيات وافية شافية عن تحركاتها. وعوض ذلك، اكتفت بتصوير انتظارات الفلاحين المغاربة الذين ما زالوا يأملون أن تجود السماء بمطر مدرار على الأرض العطشى، ويترقبون كل يوم فرجاً تأتي بها نشرات الأحوال الجوية.
وتنكرت التلفزيونات المحلية للرسالة التاريخية النبيلة التي وضعها الفنانون المغاربة على عاتقهم، بإيعاز من السفير المصري في الرباط ودعم من السفير المغربي في القاهرة، والمتمثلة في خدمة السياحة المصرية، لعل أولئك الفنانين يقدّمون وصفة سحرية لإنقاذ السياحة في أرض الكنانة، بعدما لم تفلح فيها كل الوصفات الأخرى. ولست أدري من هو العبقري الفذ الذي أوحى للسفيرين المومأ إليهم بتلك الفكرة؟ وهل بلغ إلى علمه أن السياحة المغربية مزدهرة بفعل جهود الفنانين؛ وأن هؤلاء لا يحتاجون لمن يؤدي بالنيابة عنهم أثمان بطاقات السفر عبر الطائرة، والإقامة لمدة أسبوع في فنادق القاهرة وشرم الشيخ؟
وبما أن التلفزيونات المحلية غضّت الطرف عن هذا الحدث العظيم، فقد تكفّـل بعض الفنانين بتصوير أنفسهم عبر هواتفهم المحمولة ووضع فيديوهات في «اليوتيوب»، تصوّرهم وهم يحملون أكياس بلاستيك، ويصيحون فرحين مبتهجين: ها نحن نعمل «شوبينغ» في شرم الشيخ! ويستنجدون بالفنان المصري إيهاب توفيق ليقول كلمة طيبة في حق المغرب والمغاربة؛ وقد فعلها، مثلما فعلها غناءً زميله هاني شاكر، ونقلت ذلك قناة «النهار» المصرية مباشرةً من دار الأوبرا.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تجمَّعَ لأولئك الفنانين ما يكفي من «بقشيش»، حتى يتبضّعوا في شرم الشيخ، ويقوموا بالتالي بالدعاية للسياحة المصرية؟ ولكن، أين سيقومون بهذه الدعاية؟ في المغرب؟ و»كلنا في الهم شرق»؟
و«كم ذا بمصر من المضحكات»، وآخر تلك المضحكات ما قامت به قناة «سي بي سي»، حينما ذكرت أن وفدا من «غرفة السياحة المغربية» هكذا يزور شرم الشيخ لبحث زيادة الرحلات إليها، ولم تورد القناة أيّ تقرير مصور لذلك الوفد، مكتفية بإدراج تصريحين مسجّلين مع مواطنين مغربيين، وقع لهما ما وقع للغراب حينما أراد تقليد مشية الحمام، فلا هم تحدثوا بلهجة مصرية مضبوطة، ولا هم ظلّوا متمسكين بلسانهم المغربي الدارج.
الظاهر أن منظمي تلك الجولة كان هدفهم، أولا وأخيرا، جبر خاطر المغاربة بعد الهجمات الشرسة المتتالية التي شنت عبر بعض القنوات المصرية الخاصة على المغرب. ولم تمر هذه الجولة بسلام، حيث هب نشطاء مواقع اجتماعية مصريون لإطلاق حملة بعنوان «لمّ عيالك يا مغرب!»
وكم كانت لحظة تاريخية حاسمة تلك التي بدا فيها الفنانون المغاربة الذين شكروا الأرض والسماء على جولة «شرم الشيخ» وهم يوقّعون على «وثيقة حب مصر» فوق صورة عبد الفتاح السيسي (علماً بأن حب المغاربة لأرض الكنانة ولشعبها الطيب لا يحتاج إلى توقيع مكتوب، فهو منغرس في القلب). وسيسجّل المؤرخون هذه الموقف النبيل لفنانين مغاربة، أدركوا بفطرتهم، وبدماء القرابة الممتدة من نهر أبي رقراق إلى النيل، أن السيسي يحتاج إلى دليل ملموس مكتوب بالمداد، على شرعية حُكمه الذي يقود البلاد والعباد إلى التقدم الاقتصادي والرفاه الإجتماعي والازدهار السياحي!
إفران بدون ثلوج!
وإذا كانت كاميرا التلفزيون المغربي غضّت الطرف عن رحلة الوفد الفني إلى شرم الشيخ، فإنها بالمقابل راحت قبل يومين إلى مدينة إفران الجبلية، لتنجز تقريرا إخباريا عن انتعاش السياحة الداخلية بهذه المدينة خلال عطلة رأس السنة. الغريب في الأمر أن الكاميرا لم تظهر كثرة الوافدين على ذلك المنتجع الجبلي، حيث كان الناس قليلين جدا، وحاولت التغطية على ذلك بإدراج صور لأعضاء فرقة فلكلورية محلية يغنّون ويرقصون. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تناسى الفريق التلفزيوني الذي أنجز التقرير أن من يزور إفران في هذه الأوقات من السنة، فإنما لالتقاط صور مع الثلج ولإتاحة مجال للأطفال من أجل التزلج وبناء مجسمات بالثلوج؟ لعل المسؤولين المحليين استنجدوا بالتلفزيون من أجل إنعاش السياحة بمدينة إفران التي هجرها الثلج، تماماً مثلما استنجد السفير المصري في الرباط بالفنانين المغاربة، من أجل عيون السيسي ومنتجعات شرم الشيخ!
احتكار تلفزيوني!
أقلّ من عدد أصابع اليد، هي الوجوه التي تحتكر الإعلانات التلفزيونية في المغرب. ففي وقت ذروة المشاهدة، يُفاجأ الجمهور بالوجوه نفسها تتكرر في إعلانات مختلفة لمنتجات متنوعة، مما يطرح معه سؤال جوهري: هل الأرض المغربية عاقر، لدرجة أنها لم تنجب سوى تلك الأسماء؟ وأين هو مبدأ العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص؟ ولماذا تسكت النقابات الفنية عن ذلك، تاركة المعلنين يتصرفون وفق هواهم ووفق العلاقات الخفية التي تزكّي اسماً دون آخر، وتساهم في صنع نجومية البعض على حساب الكثيرين؟
كاتب من المغرب
الطاهر الطويل