لقد سجلت سلسلة الضربات التي تلقاها الاسبوع الماضي مشروع المستوطنات نهايته. يبدو هذا للاذان الإسرائيلية كادعاء يساري أو استفزاز مرفوض. ما يجعل هذا القول واقعا متدحرجا هو موازين القوى في الشرق الاوسط الجديد، ولا سيما سلوك إدارة ترامب.
لقد بدأ هذا الاسبوع مع مبعوث الامم المتحدة إلى الشرق الاوسط، الذي بلغ عن انتهاك قرار الامم المتحدة 2334 في كانون الاول/ديسمبر 2016. وكما يذكر فقد قرر مجلس الامن بأن المستوطنات ليست قانونية وان إسرائيل مطالبة بوقف البناء. وقضى مبعوث الامم المتحدة بأن إسرائيل لا تنفذ قرار المجلس. وبعد ثلاثة اشهر سيعود، ومعقول الافتراض بأن شيئا لن يتغير. فمع ان حكومة إسرائيل لن تنقض على التلال، ولكنها ستحاول الاستهتار مع «توسع» آخر في المناطق وبيت آخر في القدس. وبشكل عام فإن للاستهتارات من هذا النوع ثمة عرف بالعودة إلى مستهتريها سواء بشكل تقدم في الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية أم في شكل جولة عنف. وبشكل عام فإن هذا الثلاثي يرتبط الواحد بالاخر: الاستخفاف الإسرائيلي، الاعتراف بالفلسطينيين وحفر القبور في الطرفين.
كما أن مجلس حقوق الانسان في الامم المتحدة تبنى الاسبوع الماضي قرارا يشجب البناء في المستوطنات في الضفة الغربية، في شرقي القدس وفي هضبة الجولان، ودعا الدول والشركات التجارية إلى الامتناع عن كل علاقة مباشرة أو غير مباشرة مع المستوطنات. غير أن دولة إسرائيل لا يديرها مجلس حقوق الانسان بل مجلس «يشع» للمستوطنين. ورد ممثله جلعاد أردان بمشروع قانون يستهدف جمع المعلومات الاستخبارية لغرض التقديم إلى المحاكمة لمؤيدي البي.دي.اس. وعندها جاءت إدارة ترامب ودقت دبوسا من جانبها في بالون الاوهام الذي نفخه مجانين النبوءة مع انتخابه.
وكما يذكر، ففي لقائه مع دونالد ترامب، تلقى بنيامين نتنياهو درسا في العقارات وفي اعادة التموقع والتجارة بشكل عام: «أنت ايضا سيتعين عليك تقديم تنازلات». في مقابلة مع «إسرائيل اليوم» كان ترامب اكثر تركيزا مما في معالجته لـ «اوباما كير» أو إقامة السور على حدود المكسيك: فقد قال ان «توسيع المستوطنات يقلص المساحة التي بقيت شاغرة للمفاوضات»، وعليه فهو يؤمن بأن «توسيع المستوطنات لا يساهم في المساعي للوصول إلى السلام». لا شك ان من وجهة نظر ترامب قال له بالشكل الاكثر صراحة: حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين تتسبب بما يكفي من المشاكل مع البلدان العربية. الجيش الأمريكي يقاتل اليوم كتفا بكتف مع المقاتلين العرب، واذا ما دفعت نحو مستوطنة ونقلت السفارة إلى القدس، فإنك تمس بالجهد الحربي على النفوذ في الشرق الاوسط حيال بوتين. وفضلا عن ذلك، فإن اليهود في جيبنا.
عندما عاد نتنياهو بوجه مكفهر ويدين فارغتين، انتظر زيارة مبعوث الرئيس جيسون غرينبلت كي يحاول ايجاد صيغة شقلبة ما تسمح له بأن يكون حاضرا في الصراع على أصوات اليمين حيال البيت اليهودي. وتبين أن الامر الاول الذي فعله غرينبلت (محامي، عقاري) حين وصل إلى البلاد هو نزع الكيبا عن رأسه وبعد ذلك وزع وقته بين القدس ورام الله، وأبقى بيانا دقيقا جدا: «نحن نؤكد الالتزام المشترك لإسرائيل والولايات المتحدة في التقدم نحو سلام حقيقي بين إسرائيل والفلسطينيين لتعزيز الامن إسرائيل واستقرار المنطقة»، وأكد «التزام ترامب بأمن دولة إسرائيل وبالجهد لمساعدة الإسرائيليين والفلسطينيين للوصول إلى سلام دائم عبر مفاوضات مباشرة».
من ناحية نتنياهو واليمين، كانت زيارة غرينبلت عملية تخريبية سياسية داخلية. من الان فصاعدا بدأ تجنيد الاصدقاء لمحاولة امساك الهوائية الترامبية في مزاج استفزازي وانتزاع جملة منه يمكن التلويح بها ضد اليسار. فجند رون ديرمر، السفير في واشنطن، «اصدقاء إسرائيل»، وبعث نتنياهو إلى واشنطن برئيس مكتبه يوآف هورفيتس، الذي أدار بالفعل نيابة عنه شركة لتأجير السيارات.
وجلس الرجلان مرة اخرى مع غرينبلت وعادا منه مع تصريح نوايا عليل آخر: «الوفد الأمريكي شدد مرة اخرى على قلق الرئيس ترامب من البناء في المستوطنات في سياق التقدم نحو اتفاق السلام»، و»الوفد الإسرائيلي أوضح بأن إسرائيل تعتزم التقدم نحو تبني سياسة بناء في المستوطنات تأخذ بالحسبان قلق الرئيس، وان المحادثات كانت جدية وجيدة وهي مستمرة».
تبين ان نتنياهو، الرجل الذي يسبح في السياسة الواشنطنية كالتمساح في المستنقع فقد حدته. فترامب يغرق في مياهه الضحلة نفسه، إذ رُفض هذا الاسبوع طلبه الانذاري لالغاء «اوباما كير» وقسم كبير من اعضاء مجلس النواب الجمهوريين يرون في الجنون الذي يمارسه في البيت الابيض خللا حقيقيا، واليهود يرون فيه المحرك لموجة اللاسامية. وفي جهد أخير يروون بأنه ابتزت صيغة ما بمستوى آخر سيجارة للمحكوم بالاعدام: تلال جرداء لعمونة مقابل سلسلة جبال تمنع في المستقبل باقي المستوطنات ولكن تسمح لنتنياهو باستراحة محارب لاسبوع آخر، شهر آخر، في البيت اليهودي. آه… نعم، القي بعظمة اخرى: المحامي ديفيد فريدمان عين ليكون سفيرا في إسرائيل.
فريدمان هو يهودي يميني يعتمر الكيبا، مثل غرينبلت، ومثله ـ مطهر المفاسد الخاص لترامب. وحين يعنى بمسألة المستوطنات فإنه سيلحس اليد التي تطعمه.
صحيح ان هذا الاسبوع كان بداية ذروة في معارضة العالم والولايات المتحدة لاستمرار البناء، ولكن ترامب لم يفعل أي شيء لم يحصل قبل خمسين سنة من ذلك.
ففور حرب الايام الستة صوتت الامم المتحدة على قرار 242 الذي يطالب «بانسحاب القوات المسلحة لإسرائيل من الاراضي التي احتلت في المواجهة الاخيرة» و «تحقيق حل عادل لمشكلة اللاجئين». ولا كلمة عن دولة فلسطينية. اما العمل على اقامة الدولة الفلسطينية، فقد قامت به دولة إسرائيل عندما منعت عنهم، بالعنف، الهوية والمواطنة، وفي واقع الامر أجبرتهم على خوض صراع في سبيل الكرامة الذاتية، المساواة والاستقلال، بما في ذلك الارهاب.
بعد الايام الستة اخترعت حكومات المعراخ الف سبب وسبب «استراتيج» لمواصلة الاحتفاظ بالمناطق. بعد انتخابات 1977 وصعود اليمين دخل الباري عز وجل كمفتي الفقه السياسي الأمني، ومن هنا فصاعدا حتى هذا اليوم تنتج مصانع أحابيع الحكومة منتجات الانباء الزائفة التي غايتها تبرير الاحتفاظ بالمناطق. المشكلة هي أن شيئا لم يتغير منذ قرار الامم المتحدة 242. كلما تعزز واتسع مشروع المستوطنات، هكذا كبرت وتعززت الجبهة العالمية ضده. ومسيرة المعارضة للاحتفاظ بالمناطق داخل إسرائيل طالت لكيلومترات بعد الجبهة العالمية ـ ومع ذلك، باستثناء غير المحظوظين ممن قتلوا في اثناء الحروب على المناطق، كلنا ربحنا من الاحتلال. ولا يزال فإن ثلثين دائمين من سكان إسرائيل مستعدون لاعادة المستوطنات مقابل السلام.
من خلف الضجيج السياسي يفهم زعماء اليمين بأنه انتهى عصر الاقتحامات. وبالحد الاقصى فإنهم سيقتحمون بكاء عندما يخلون المستوطنة التالية. وتتجه الجهود اليوم نحو تجنيد ميزانيات وقوانين لتعميق التدين في دولة إسرائيل. هذه قصة صمت الذئاب في جلد الزرافات للبيت اليهودي حين يتحدثون عن الانتخابات. في المرة التالية سيذهبون مع لبيد إلى وزارة المالية. انتبهوا فقد حذرناكم.
معاريف 31/3/2017